- إنضم
- 2/7/21
- المشاركات
- 1,229
- مستوى التفاعل
- 117
- النقاط
- 63
غير متصل
احذر الذكاء الاصطناعي
مَا زَالَت نِعَمُ اللهِ تَعَالى عَلَى عِبَادِهِ تَتَوَالى ، بِمَا سَخَّرَهُ لَهُم مِن مَصنُوعَاتٍ وَمُختَرَعَاتٍ ، تَخرُجُ في كُلِّ زَمَانٍ تِبَاعًا ، وَتَتَجَدَّدُ في كُلِّ عَصرٍ بِمَا لم يَكُنْ في الَّذِي قَبلَهُ ، يَخلُقُ اللهُ مِنهَا بِقُدرَتِهِ مَا يُدهِشُ مَن شَهِدَهَا وَعَايَشَهَا ، فَيَستَعمِلُهَا وَيَستَفِيدُ مِنهَا وَيَستَمتِعُ بِهَا ، مَعَ عَجزِهِ عَن تَصَوُّرِهَا تَصَوُّرًا كَامِلاً ، أَجهِزَةٌ وَوَسَائِلُ وَبَرَامِجُ ، لَو خَرَجَ بَعضُ مَن عَاشُوا قَبلَ عِقدَينِ أَو ثَلاثَةٍ وَرَأَوهَا ، لَظَنُّوا أَنَّهَا ضَربٌ مِنَ التَّخيِيلِ ، أَو نَوعٌ مِنَ السِّحرِ وَالأَبَاطِيلِ ، وَمِن تِلكَ النِّعَمِ الَّتي ظَهَرَت في أَزمِنَتِنَا المُتَأَخِّرَةِ ، وَأُتِيحَ فِيهَا مِنَ الخِدمَاتِ مَا تَيَسَّرَت بِهِ لَنَا كَثِيرٌ مِنَ الأُمُورِ ، هَذِهِ الأَجهِزَةُ وَالتِّقنِيَاتُ ، الَّتي يَحمِلُهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بَينَ يَدَيهِ غَادِيًا وَرَائِحًا ، وَيَنقُلُهَا مَعَهُ في كُلِّ مَكَانٍ حَلَّ فِيهِ ، يَقضِي بِهَا حَاجَاتٍ وَيُحَصِّلُ بِسَبَبِهَا أُمُورًا ، مَا كَانَ لِلآبَاءِ وَالأَجدَادِ أَن يُحَصِّلُوهَا وَيَبلُغُوهَا إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ ، لَكِنَّ اللهَ تَعَالى سَخَّرَهَا لَنَا في هَذِهِ العُصُورِ المُتَأَخِّرَةِ ، تَفَضُّلاً مِنهُ جَلَّ وَعَلا وَتَكَرُّمًا . وَمِن أَحدَثِ هَذِهِ التِّقنِيَاتِ مَا سُمِّيَ بِالذَّكَاءِ الاصطِنَاعِيِّ ، وَهُوَ بَرَامِجُ تُوجَدُ في الجَوَّالاتِ وَالحَاسِبَاتِ وَالشَّبَكَاتِ ، هُيِّئَت لِتُخَاطِبَ الإِنسَانَ وَكَأَنَّهَا شَخصٌ آخَرُ لَهُ عَقلٌ وَتَفكِيرٌ وَتَدبِيرٌ ، وَلِذَا فَهِيَ تُجِيبَ عَن أَسئِلَتِهِ ، وَتَكتُبُ لَهُ مَا يَطلُبُهُ ، أَو تُكمِلُ لَهُ مَا يُملِي عَلَيهَا بَعضَهُ ، وَكَأَنَّمَا قَد شَارَكَتهُ مَا يُفَكِّرُ فِيهِ ، وَتَرسُمُ لَهُ مَا يَتَخَيَّلُ ، وَتُخَطِّطُ مَا قَد يَصعُبُ عَلَيهِ تَصَوُّرُهُ ، وَتَحُلُّ لَهُ مَسَائِلَ عَوِيصَةً وَمُشكِلاتٍ في ثَوَانٍ مَعدُودَاتٍ ، بَل وَقَد تُخَاطِبُهُ بِالصَّوتِ كَمَا يُخَاطِبُهُ إِنسَانٌ آخَرُ ، وَإِنَّهَا لَنِعمَةٌ مِن أَعظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ عَلَّمَهُم مَا لم يَكُونُوا يَعلَمُونَ ، وَسَخَّرَ لَهُم مَا لم يَخطُرْ لَهُم عَلَى بَالٍ ، وَخَلَقَ لَهُم أَشيَاءً لم تُعهَدْ فِيمَن قَبلَهُم مِنَ الأَجيَالِ ؛ غَيرَ أَنَّ هَذِهِ المُختَرَعَاتِ وَإِن كَانَ اللهُ قَد مَنَّ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ مَدًّا مِنهُ وَإِنعَامًا ، فَإِنَّهَا أَيضًا تَكُونُ مِنهُ تَعَالى لَهُمُ اختِبَارًا وَابتِلاءً وَامتِحَانًا ، وَمِن حُسنِ حَظِّ الإِنسَانِ وَتَمَامِ النِّعمَةِ عَلَيهِ ، أَن يَستَعمِلَهَا فِيمَا يَنفَعُهُ وَيَرفَعُهُ ، وَيُخَفِّفُ عَلَيهِ المَشَقَّةَ وَيُرِيحُهُ مِنَ العَنَاءِ ، وَفِيمَا يُيَسِّرُ عَلَيهِ وَيُسعِدُهُ وَيَسُرُّهُ ، وَإِلاَّ كَانَت وَبَالاً عَلَيهِ وَشَرًّا لَهُ في دُنيَاهُ وَأُخرَاهُ ، وَخَسَارَةً في عَاجِلِ أَمرِهِ وَآجِلِهِ ، قَالَ تَعَالى : " وَسَخَّرَ لَكُم مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرضِ جَمِيعًا مِنهُ " أَجَل أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّ هَذَا الذَّكَاءَ الاصطِنَاعِيَّ لَيسَ مِمَّا يُفرَحُ بِهِ عَلَى الإِطلاقِ ، أَو يُمدَحُ مَن يَعتَمِدُ عَلَيهِ في كُلِّ أُمُورِهِ ، وَلا هُوَ مَذمُومًا مُحَذَّرًا مِنهُ لِذَاتِهِ ، بَل هُوَ كَغَيرِهِ مِنَ الوَسَائِلِ ، لَهُ أَحكَامُ المَقَاصِدِ ، وَيُحكَمُ عَلَيهِ بِحَسَبِ استِخدَامِهِ ، فَمَنِ استَثمَرَهُ فِيمَا يُرضِي اللهَ وَيَخدِمُ دِينَهُ وَمُجتَمَعَهُ وَوَطَنَهُ وَإِخوَانَهُ المُسلِمِينَ ، فَهُوَ عَلَى حَظِّهِ مِنَ الأَجرِ وَالثَّوَابِ وَحُسنِ الذِّكرِ ، وَمَن استَغَلَّهُ فِيمَا يُغضِبُ الرَبَّ أَو يُؤذِي الخَلقَ ، فَهُوَ حَظُّهُ مِنَ الذُّنُوبِ المُتَرَاكِمَةِ وَالسَّيِّئَاتِ المُتَتَالِيَةِ . وَإِنَّهُ في الحِينِ الَّذِي استَفَادَ مُوَفَّقُونَ مِن هَذِهِ التِّقنِيَاتِ ، فَسَخَّرَهَا بَعضُهُم لِنَفعِ النَّاسِ عِلمِيًّا وَاقتِصَادِيًّا وَصِحِيًّا وَاجتِمَاعِيًّا ، وَاستَثمَرَهَا آخَرُونَ في الدَّعوَةِ إِلى اللهِ وَتَوعِيَةِ النَّاسِ وَنَشرِ العِلمِ وَبَثِّ الفِقهِ في الدِّينِ ، فَكَسِبُوا بِهَا الحَسَنَاتِ وَتَضَاعَفَت لَهُمُ الأُجُورُ بِحَسَبِ سَلامَةِ المَقَاصِدِ وَحُسنِ النِيَّاتِ ، فَإِنَّ ثَمَّ مَنِ استَغَلَّهَا لِتُسَهِّلَ لَهُ مَا حَرَّمَتهُ الشَّرِيعَةُ وَنَهَت عَنهُ ، مِنَ الكَذِبِ وَالبُهتَانِ وَالتَّزوِيرِ ، وَالافتِرَاءِ وَالخِدَاعِ بِالتَّصوِيرِ ، فَنَالَ بِذَلِكَ الذُّنُوبَ وَالخَطَايَا وَتَحَمَّلَ الأَوزَارَ وَالسَّيِّئَاتِ . وَقَد ظَهَرَ الجَانِبُ المُظلِمُ مِن تِلكَ البَرَامِجِ في تَزيِيفِ صُوَرٍ وَتَركِيبِ مَقَاطِعَ صُوتِيَّةٍ وَمَرئِيَّةٍ ، وَانتِحَالِ شَخصِيَّاتٍ وَجَعلِهَا تَتَكَلَّمُ بِمَا لَيسَ حَقًّا ، وَكُلُّ ذَلِكَ لِقَلبِ الحَقَائِقِ وَنَشرِ المَعلُومَاتِ المُضَلِّلَةِ ، وَالمِسَاسِ بِسُمعَةِ النَّاسِ دُوَلاً وَأَفرَادًا ، وَهَتكِ أَعرَاضِهِم وَالإِضرَارِ بِهِم وَهُم أَبرِيَاءُ ، وَمِن أَخطَرِ ذَلِكَ تَلفِيقُ الفَتَاوَى ، أَو إِخرَاجُ بَعضِ العُلَمَاءِ أَوِ الدُّعَاةِ مُرَكَّبًا عَلَيهِ كَلامٌ لَيسَ لَهُ ، فَيَا للهِ مَا أَعظَمَ الفِريَةَ وَأَكبَرَ الذَّنبَ وَأَشنَعَ الجُرمَ ، حِينَ يُنشَرُ الكَذِبُ وَالزُّورُ وَالبُهتَانُ مُرَكَّبًا عَلَى عَالِمٍ أَو دَاعِيَةٍ أَو مَسؤُولٍ ، وَيُظهَرُ وَكَأَنَّهُ هُوَ المُتَكَلِّمُ ، فَيُقَوَّلُ مَا لم يَقُلْهُ وَمَا لا يَكُونُ لِمِثلِهِ أَن يَقُولَهُ ، وَأَينَ هَؤُلاءِ المُلَفِّقُونَ مِن قَولِ اللهِ تَعَالى : " مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ إِلاَّ لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ " وَقَولِهِ جَلَّ وَعَلا : " وَلا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مَسؤُولاً " أَلا فَمَا أَحرَى المُسلِمَ أَن يَتَّقِيَ اللهَ وَيَشعُرَ بِمَسؤُولِيَّةِ الكَلِمَةِ مَكتُوبَةً مَقرُوءَةً ، أَو مَقُولَةً مَسمُوعَةً ، فَيَتَثَبَّتَ فِيهَا وَيَتَبَيَّنَ مِنهَا قَبلَ أَن يَنشُرَهَا ، وَلا يَستَخِفَّهُ كُلُّ جَاهِلٍ نَاعِقٍ ، أَو يَخدَعَهُ كُلُّ مُغرِضٍ مُنَافِقٍ ، فَيُصَدِّقَ كُلَّ مَا يَرَاهُ وَيَسمَعُهُ وَيَنشُرَهُ ، فَإِنَّهُ إِن تَسَاهَلَ وَصَارَ ذَلِكَ دَيدَنًا لَهُ ، كُتِبَ بِهِ مِنَ الكَذَّابِينَ ، وَكَانَ مِن أَصحَابِ البُهتَانِ الَّذِينَ يُؤذُونَ المُؤمِنِينَ ، قَالَ تَعَالى : " وَالَّذِينَ يُؤذُونَ المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكتَسَبُوا فَقَدِ احتَمَلُوا بُهتَانًا وَإِثمًا مُبِينًا " وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ : " كَفَى بِالمَرءِ كَذِبًا أَن يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ " رَوَاهُ مُسلِمٌ . وَفي لَفظٍ " كَفَى بِالمَرءِ إِثمًا أَن يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ " وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ : " مَن قَالَ في مُؤمِنٍ مَا لَيسَ فِيهِ أَسكَنَهُ اللهُ رَدْغَةَ الخَبَالِ حَتى يَخرُجَ مِمَّا قَالَ وَلَيسَ بِخَارِجٍ " أَخرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ .
اللَّهُمَّ احفَظْ عَلَينَا أَسمَاعَنَا وَأَبصَارَنَا ، وَوَفِّقْنَا وَاستُرْنَا ، وَجَمِّلْنَا بِتَقوَاكَ وَاكتُبْ لَنَا رِضَاكَ.
لشيخ عبدالله بن محمد البصري