- إنضم
- 2/7/21
- المشاركات
- 1,229
- مستوى التفاعل
- 117
- النقاط
- 63
غير متصل
الاستقامة
معاشر الإخوة، لا نحتاج أن نقول بأننا نعيش في زمن يعجّ بالمصائب والفتن، والكوارث والمحن، والنوازل والإحن، وتتزاحم فيه البلايا والرزايا، والمغريات والملهيات، والقبائح والمنكرات، والانحرافات في العقائد والمفاهيم والتصورات، ويستشري فيه الفساد الممنهج للقيم والأخلاق، والسلوكيات والممارسات، مع علو الباطل، وانتفاش الطغيان، وتفاقم الأمور، وتعاظم الشرور، وانتشار السفور والفجور، وتفشي الرذيلة، وتواري الفضيلة.. مما يجعل المؤمنَ يخشى على دينه، ويشفق على نفسه، ويمسك على قلبه، مخافة أن تزلّ قدمُه، أو يضلَّ فكرُه، أو يزيغَ قلبُه، وهو يرى مزلّةَ الأقدام، ومدحضةَ الأفهام، وتقلّبَ القلوب مِن حوله.
نتحدث عن الاستقامة -يا أيها الموحدون- في ظل هذه المهالك الموحشة، والمجاهِل المَعْطَشة، والظلماء المدهشة، ونحن نرى من أبناء المسلمين مَن تتخطفهم المضلّات والشهوات، وتتخبطهم الشياطين والشبهات، وتتقاذفهم الميولُ والرغبات، وتتنازعُهم الأغراضُ والأهواء، وتعصفُ بهم الأمراضُ والأدواء، ويرِدُ كثيرٌ منهم مواردَ الهلاك والتّلَف، ويستوطن بعضهم مواطن التيه والسّخَف، ويخرُّ أناس صرعى من قامتهم في وحل الشك، ومستنقع الشرك، فلا يُمهَلون، ولا يُحمَلون، ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾[المؤمنون: 73-74].
يقول ﷺ: «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي».
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: خطَّ لنا رسولُ الله ﷺ خطًّا، ثمَّ قال: «هَذَا سَبِيلُ الله«، ثمَّ خطَّ خُطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثمّ قال: «هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ»، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[الأنعام: 153]().
وعن النَّوّاس بن سَمعان -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلَا تَتَعَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ: الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللَّهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللَّهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللَّهِ، وَالدَّاعِي مِنْ فَوْقَ الصِّرَاطِ: وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ».
إن الثبات على الصراط المستقيم ليس بالأمر الهين، بل أمامه تحديات وعقبات، وصعوبات وابتلاءات، ولا يثبُت عليه إلا من ثبته الله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[آل عمران: 101]، ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[الحج:54]، ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[النور: 46].
ولذلك اشتدت حاجة العبد -بل ضرورته- إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، فليس العبد أحوجَ منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء أنفعَ له منها.
وهذا رسول الهدى، وإمام البر والتقوى ﷺ، يبتهل إلى الله في أشرف الأوقات وأصفاها، سائلاً مولاه الهداية إلى هذا السبيل، فعن أُمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
وعنها -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله ﷺ إذا استيقظ من الليل قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ، اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ».
وضاح سيف سعيد الجبزي