- إنضم
- 2/7/21
- المشاركات
- 1,229
- مستوى التفاعل
- 117
- النقاط
- 63
غير متصل
خِتَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَفَّقَ لِبُلُوغِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَهَيَّأَ أَسْبَابَ الْمَغْفِرَةِ وَالرِّضْوَانِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ عَلَى نِعْمَةِ الْإِيمَانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْمَلِكُ الدَّيَّانُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَيَّنَ طَرِيقَ الْهُدَى، وَحَذَّرَ مِنَ الضَّلَالِ وَالْعِصْيَانِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْبَرَرَةِ الْكِرَامِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
اتَّقُوا اللَّهَ -مَعَاشِرَ الصَّائِمِينَ- وَاعْتَبِرُوا بِمُرُورِ الْأَيَّامِ؛ فَهَا هُوَ رَمَضَانُ، يَتَهَيَّأُ لِلرَّحِيلِ، تَصَرَّمَتْ أَيَّامُهُ، وَانْقَضَتْ لَيَالِيهِ؛ كَأَنَّهَا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ، أَوْ طَيْفُ خَيَالٍ، مَضَى أَوَّلُهُ وَأَوْسَطُهُ، وَهَا نَحْنُ عَلَى مَشَارِفِ آخِرِهِ، وَآخِرُهُ هُوَ خَيْرُهُ وَأَفْضَلُهُ.
الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ كَنْزُ الْفَضَائِلِ، وَمَوْئِلُ الْغَنَائِمِ، الَّتِي يَهَبُهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ، بِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ، وَالْبَرَكَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَ «كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَ «كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. هَكَذَا كَانَ نَبِيُّكُمْ ﷺ؛ فَمَعَ مَسْؤُولِيَّاتِهِ الْعَظِيمَةِ، لَهُ فِي لَيَالِي الْعَشْرِ شَأْنٌ آخَرُ، فَهُوَ فِي قِيَامٍ وَقُعُودٍ، وَصَلَاةٍ وَسُجُودٍ، وَذِكْرٍ وَتَسْبِيحٍ، يَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ! بَلْ إِنَّهُ يُوقِظُ أَهْلَهُ؛ لِيَغْتَنِمُوا هَذِهِ الْعَشْرَ الْمُبَارَكَةَ بِالْقِيَامِ وَالدُّعَاءِ.
فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ سِبَاقٌ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ، وَمُسَارَعَةٌ فِي مَيَادِينِ الطَّاعَةِ، وَمَنْ سَبَقَ فِي الدُّنْيَا إِلَى الْخَيْرَاتِ فَهُوَ السَّابِقُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجَنَّاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾.
الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ، تُلْتَمَسُ وَتُتَحَرَّى فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ؛ قَالَ ﷺ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»، وَقَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
لَيْلَةُ الْقَدْرِ عَظَّمَ الْقُرْآنُ قَدْرَهَا وَشَرَفَهَا ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، فَالْعِبَادَةُ فِيهَا أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ شَهْرٍ، لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَأَلْفُ شَهْرٍ تَعْدِلُ: ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. وَهِيَ لَيْلَةُ الْمَغْفِرَةِ؛ قَالَ ﷺ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إِلَى الْأَمْصَارِ يَأْمُرُهُمْ بِخَتْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِالِاسْتِغْفَارِ، وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ. وَزَكَاةُ الْفِطْرِ، فَرَضَهَا نَبِيُّكُمْ ﷺ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ أَرْزٍ أَوْ نَحْوِهِ مِنَ الطَّعَامِ، تُؤَدَّى عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَفْضَلُ وَقْتٍ لِإِخْرَاجِهَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ؛ فَأَخْرِجُوهَا طَيِّبَةً بِهَا نُفُوسُكُمْ، وَطَاعَةً لِنَبِيِّكُمْ ﷺ.
وَمِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُخْتَمُ بِهَا الشَّهْرُ التَّكْبِيرُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فَيُشْرَعُ التَّكْبِيرُ مِنْ غُرُوبِ شَمْسِ لَيْلَةِ الْعِيدِ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدِ. وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَيُسَنُّ جَهْرُ الرِّجَالِ بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَالْبُيُوتِ؛ إِعْلَانًا بِتَعْظِيمِ اللَّهِ وَشُكْرِهِ عَلَى نِعْمَةِ إِكْمَالِ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، وَالْهِدَايَةِ لِهَذَا الدِّينِ.
وَمِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُخْتَمُ بِهَا شَهْرُ رَمَضَانَ صَلَاةُ الْعِيدِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، حَتَّى الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَالْحُيَّضُ اللَّاتِي لَيْسَ عَلَيْهِنَّ صَلَاةٌ يَعْتَزِلْنَ الْمُصَلَّى، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، فَهِيَ شَعِيرَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، فَلَا تُفَرِّطُوا فِيهَا.
اللَّهُمَّ اخْتِمْ لَنَا شَهْرَ رَمَضَانَ بِرِضْوَانِكَ، وَجُدْ عَلَيْنَا بِالْعِتْقِ مِنْ نِيرَانِكَ، وَأَسْكِنَّا بَحْبُوحَةَ جِنَانِكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
محمد بن ابراهيم بن سعود