- إنضم
- 14/7/21
- المشاركات
- 2,589
- مستوى التفاعل
- 26
- النقاط
- 48
- الجنس
- ذكر
غير متصل
قراءة فى كتاب الحب الإلهي في شعر المقدسي
قراءة فى كتاب الحب الإلهي في شعر المقدسي
المؤلفون الثلاثة علي حيدر وعيسى فارس وماهر عبد القادر وفى مقدمتهم تحدثوا عن أن كلمة الحب شغلت الصوفية شغلا عظيما فقالوا:
" ما من أمر أقض مضاجع الصوفية، فأرق ليلهم، وأقلق نهارهم مثل الحب. وما من كلمة لهج بها هؤلاء، وترنموا بها في أناشيدهم وأشعارهم مثل الحب؛ فالحب مذهبهم، والحب مشربهم، والحب ديدنهم. وهل كان المتصوفة من مبدأ أمرهم إلى نهاية مطافهم إلا عشاقا والهين متألهين؟"
وتحدثوا عن أن الحب عند المقدسى اتخذوا محورين حب الله وهو الغزل كما سموه وحب الرسول(ص) وهو ما سموه المديح النبوى فقالوا:
"والمحور الأساسي في شعر المقدسي كان الحب، وهذا الحب أخذ لديه مظهرين اثنين؛ فقد كانت لواعج شوقه تتجه أحيانا إلى النبي الكريم، فيعبر عنها بالمديح النبوي. كما كانت تسمو به الهمم أحيانا وترقى إلى الخالق سبحانه، فيعبر عن ذلك بالغزل الصوفي أو بالخمريات الصوفية.
ومن البداهة أن كلا النوعين يصبان، من حيث الغاية، في مصب واحد؛ فالله سبحانه هو الذي خاطب نبيه بقوله: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله }. وقد ورد عن النبي الكريم قوله: { من أحبني فقد أحب الله}. ومنطق الأمور – ولاريب – يقتضي أن يكون حب النبي - صلى الله عليه وسلم - فرعا لحب الله، أو رافدا له يصب فيه، والمقدسي أشار إلى هذا المعنى بقوله:
ولولاه ما زمت رحال مطينا ... إلى يثرب تبغي الذي هو يهواه
ومن ذا الذي اختاره الله، وخصه بحبه منذ القدم غير نبيه الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا ما عناه شاعرنا بقوله:
ولقد حبا الله العظيم محمدا ... بالحب منه في الزمان السابق"
ومما سبق نجد ان الثلاثة أقروا أن المديح النبوى هو جزء من حب الله من خلال الاستدلال بالآية والرواية
استهل القوم حديثهم بالغزل الصوفى عند المقدسى فقالوا:
"الغزل الصوفي في شعر المقدسي:
يشغل الغزل الصوفي مكانا واسعا من الإرث الشعري الذي خلفه ابن غانم، بل هو يشغل الحيز الأوسع من شعر المتصوفة على وجه العموم، ولا غرابة في هذا؛ وقد علمنا أن غاية الغايات لدى هؤلاء هي المعرفة الإلهية، أو القرب من الله سبحانه، بل الفناء الكلي في ذاته تعالى، حتى يصير المحب والمحبوب واحدا؛ فيفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل.
وإذا ما استعرضنا دواوين كبار شعراء التصوف؛ كالحسين بن منصور الحلاج، وابن عربي، وابن الفارض، والمقدسي، وأمثالهم من العرب وكسعد الدين الشيرازي، وسنائي، وفريد الدين العطار، وجلال الدين الرومي، وغيرهم من غير العرب. نجد أن الكثرة الكاثرة من أشعارهم تدور في فلك الحب ولوازمه؛ من شرح الأشواق، وشكوى البعد والهجر، ولوعة الحنين، إلى متعة النجوى، وجلال المشاهدة، ولذة القرب والوصال.
وبعد، فليس غلوا أن نقول: إن الأغراض الشعرية الأخرى التي نجدها لدى شعراء المتصوفة عموما، ولدى شاعرنا بطبيعة الحال، كانت تؤول إلى ذلك الحب الإلهي، بسبب مباشر أو غير مباشر، جلي أو خفي، وأن تلك الأغراض المختلفة ما كان لها أن توجد في أشعارهم أو تذكر لولا بواعث ذلك الحب ودواعيه، ولئن كان في مقدورنا التفريق – لدى الشعراء التقليديين – بين شعر الغزل وشعر الخمر " الحسيين "؛ في غاية كل منهما وفي طرائقه التعبيرية، والنظر إلى كل فن من الفنين نظرة مستقلة عن الآخر، فمن غير الجائز أن ننحو المنحى نفسه في فهمنا ودراستنا شعر المتصوفة؛ ذلك أن الخمر التي عنها يتحدثون، والسكر الذي فيه يهيمون، وما يلحق بذلك كله من ذكر الكأس والدن والحان، والساقي والشرب، وما إلى ذلك، ليس في حقيقته إلا مصطلحات ابتكروها، أو ألفاظا استعملوها استعمالا مجازيا، ليعبروا عما ينتابهم من أحوال الحب والقرب والوصال.
فسكر هؤلاء هو قربهم ووصالهم، وساقيهم هو محبوبهم، وكاساتهم هي تجلياته المتعددة، وعلى ذلك فإن شعر الخمر لدى المتصوفة هو شعر الغزل عينه - من هذا الوجه - وإن اختلفت الألفاظ وطرائق التعبير بين هذا وذاك.
ولا يختلف الأمر كثيرا حين يكون الحديث عن مقاماتهم الصوفية؛ فما الفناء والبقاء، والتجلي والمشاهدة، والقبض والبسط، والفرق والجمع، وما شابه ذلك إلا مصطلحات تعبر عن أحوال تنتاب القوم في سلوكهم وترقيهم في ميادين الحب والقرب والمعرفة الإلهية حتى إن كلامهم في الزهد وذم الدنيا، والرد على المنكرين، يرتبط – ولا شك – بهذا الحب، ويرجع إليه؛ فهل أعرض هؤلاء عن الدنيا، وتخلوا عن مباهجها ومغرياتها، وتحملوا لوم اللائمين، إلا تقربا من الله وزلفى ؟؟ فلا غرو –على هذا النحو – أن يكون شعر الغزل هو الغرض الأصيل في شعر المقدسي، وتكون الأغراض الأخرى فروعا له أو بعضا من لوازمه."
كلام الثلاثة تعرض لصفات الحب الإلهى المزعوم عند الصوفية مبررين هذا الشعر بمبرر لا مسوغ له وهو أنه تعبير عن مقاماتهم وأحوالهم والحقيقة أنه لا يوجد أحوال ولا مقامات فكل هذا الاختراعات ابتداع سوء يخالف قوله تعالى " ليس كمثله شىء" فذلك الشعر كله تشبيهات لله بخلقه وتشبيهات للخلق بالله
وتحدث الثلاثة عن العام والخاص فى الغزل الصوفى مقرين بأن كل شاعر منهم حالة خاصة وليس نموذج متكرر كما فى الغزل الحسى فقالوا
"العام والخاص في الغزل الصوفي:
رأينا توحد المتصوفة في حبهم وغزلهم؛ من جهة المقاصد والغايات، والأحوال والمقامات، ثم اتفاقهم في الأساليب التعبيرية، والمصطلحات الصوفية، فهل نفهم من ذلك أنهم كانوا جميعا يمثلون نموذجا واحدا، ذا طابع واحد، وذوق واحد، وغاية واحدة؛ فلا اختلاف في مشاربهم، ولا فرق في مواجدهم، وأن القارئ لا يجد فرقا بين أن يقرأ شعر ابن الفارض، أو يسمع شعر المقدسي، أو يتمعن في شعر ابن عربي؟
علينا أن نذكر هنا أن ما ينطبق على شعراء الغزل الصوفي – في هذا الصدد – ينطبق تماما على شعراء الغزل التقليدي، فهؤلاء أيضا يصدرون في أشعارهم عن عاطفة واحدة، كما يشتركون في أحاسيس واحدة؛ فالشوق والحنين، والهجر والوصال، والبعد واللقاء، والعذول الذي ينغص عيشهم، كل هذه من الأمور التي يشترك فيها شعراء الغزل الحسي، ومع ذلك فما كان هؤلاء يمثلون نموذجا واحدا مكرورا، وإنما كان لكل منهم تجربته وخصوصيته في الحب، وبالتالي فإن له خصوصياته وميزاته في الشعر والأدب."
وتحدثوا عن لغة الحب عند ابن غانم المقدسى فقالوا :
"لغة الحب عند المقدسي:
نحا المقدسي في التعبير عن عواطفه ومواجده وحبه الإلهي منحى الصوفية السابقين، في التعبير بأساليب مستمدة من شعر الغزل الإنساني، المعروف لدى الشعراء التقليديين، والعذريين منهم على وجه أخص، يقول قاسم غنى في هذا المعنى:
[ وكل من له معرفة بالأشعار العرفانية العربية، والأشعار الفارسية، بصورة خاصة، يعلم أن مسألة ميل الروح إلى الله هي من أهم المسائل الصوفية تقريبا، جاءت دائما بنفس الألفاظ والتعبيرات والاصطلاحات المتداولة بين العاشق والمعشوق الماديين. وهذا الشبه في الكلام من الكثرة بحيث لو لم يكن بيدنا مفتاح لأغراض الشاعر لاحترنا في فهم معاني تلك الأشعار ومراد الشاعر منها فنرى أحيانا أن العارفين الشعراء، ولاسيما ناظمو الغزل، قد استخدموا هذه العبارات الرمزية، ناظرين إلى الصناعة الأدبية، وقد جعلوا القارئ لا يستطيع أن يميز بين العشق الصوري والعشق الحقيقي ]"
وما قاله قاسم غنى عن عدم التمييز بين العشق الصورى والحقيقى فى شعر الصوفية انتقده الثلاثة بأن شعر المقدسى واضح بين فقالوا:
"على أننا في مطالعتنا شعر المقدسي - وبالرغم من جريه على سنن أسلافه في استخدام أساليب الغزل الإنساني– لم نجد مثل ذلك الالتباس، الذي يشير إليه غنى، في التمييز بين العشق الصوري والعشق الحقيقي، أو بين الحب البشري والحب الإلهي، والذي نجده لدى كثير من شعراء المتصوفة، ولاسيما شعراء الفرس منهم، فالمقاصد الإلهية في غزل المقدسي واضحة بينة، وكل ما يستخدمه من عبارات الغزل، وما يوشح به أفكاره ومعانيه من أستار الرمز، يبقى على قدر من الشفافية، بحيث يستطيع الناظر - وللوهلة الأولى في أغلب الأحيان - أن يرى ما تنطوي عليه من حب روحي سام، وأشواق إلهية راقية، تتعالى فوق المقاصد الحسية، والغايات البشرية. فإذا قرأنا قول شاعرنا:
في حبه يستعذب التعذيب ... وبذكره يحلو الهوى ويطيب
يا لائمي في حبه متعسفا ... أقصر فمالك من هواه نصيب
ما كل من يهوى يحب ولا الذي ... يقصى بعيد ولا القريب قريب
من لم يكن أهلا لحضرة قربه ... ذاك الذي في حالتيه غريب
فلن يخفى علينا – وإن لم يصرح في مقطوعته هذه باسم حبيبه – أنه يتحدث عن المحبوب الأزلي، فمن ذاك – من أرباب العشق البشري – الذي يستسيغ العذاب في الحب على هذا النحو، ويستوي لديه القرب والبعد الحسيان؛ إذ لا قيمة لوصال زائل أو لقاء عابر، ما لم يكن المحب مؤهلا للجلوس في حضرة القرب الأبدية،"
وكلام المقدسى من ضمن الخبل فلا أحد يستعذب أى يستحلى العذاب وهو الألم والوجع فلو كان حلوا ما أمر الله أن يعلنوا الكفر بالله حتى لا يعذبوا من قبل الكفار فى الدنيا كما قال تعالى :
"وأولئك هم الكاذبون من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم"
وما قاله لا يفرق عن المثل العامى ضرب الحبيب كأكل الزبيب
وحديثه عن اتباع الهوى يخالف نهى الله عن اتباع الهوى الذى يدخل النار وعدم اتباع الهوى يدخل الجنة كما قال تعالى :
"وأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هى المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى"
وتحدثوا عن تفرقة المقدسى بين الهوى والحب فقالوا:
" ويفرق شاعرنا أيضا بين الهوى النفساني العابر والحب الروحاني الراسخ. وإذا استمعنا إلى قوله:
نحن من قوم إذا عشقوا ... بذلوا الأرواح في الطلب
وتفانوا في محبته ... كتفاني الذر في اللهب
كيف يخشى النار ذو حرق ... في لظى نار الغرام ربي
إن أمت عشقا فلا عجب ... هكذا أوصى إلي أبي
فلا نشك في أن العشق الذي ورثه الشاعر عن أبيه، وعن عمه، وهما بدورهما عن جده، وعن قومهم من الصوفية السابقين، هو عشق صوفي خالص وحب إلهي صرف، ولن تنصرف أفكارنا أو تتجه ظنوننا إلى حب بشري دنيوي، ثم لا نجد أنفسنا مضطرين إلى تمحل التأويلات الغريبة، كابن عربي حين اضطره غموض الرمز وغلوه إلى شرح ديوانه " ترجمان الأشواق"شرحا متكلفا أيما تكلف، ليدفع عن نفسه الريب الذي جره عليه شعره، إذ اضمحلت فيه الخطوط الفاصلة بين الحب الحسي والحب الروحي الرباني، وتلاشت بحيث يغدو التمييز بينهما أمرا عسيرا"
والتفرقة بين النفسى والروحى هو من ضمن الخبل فلا وجود للروح بمعنى الشىء الذى يموت إلا كونها النفس كما قال تعالى " كل نفس ذائقة الموت" فالروح والنفس شىء واحد وليس شيئين
وتحدثوا عن استعماله لوازم العشق والغزل الحسي فى شعره فقالوا:
"وإذا كان شاعرنا المقدسي يستعير – أحيانا – من لوازم العشق والغزل الحسي ما قد يوهم السامع، قليل الخبرة بأساليب القوم، أنه غير جائز في باب العشق الإلهي، كقوله في عتاب الأحبة:
أعاتب من أهوى فيصغي تعطفا ... علي وأصغي بعد ذاك فيعتب
إليك فإن العشق للصب مهلك ... وفي طيه من جانب الصبر مطلب
ولا غرو إن أنكرت فرط صبابتي ... وداء الهوى صعب لمن لا يجرب
فبالنظر إلى مستهل القصيدة الذي يقول فيه:
حديث الهوى يملى علي فأطرب ... وكأس الرضا يجلى علي فأشرب
فلا عجب أني سكرت وإنما ... بقائي وقد أفناني الحب أعجب
نجد من ألفاظ الصوفية ومصطلحاتهم ( كأس الرضا، البقاء بعد الفناء ) ما يؤكد أن الشاعر يرمي إلى حب إلهي لا بشري، وأن العتاب الذي يشير إليه الشاعر هو كالذي ورد في قوله تعالى لنبيه الكريم: { عفا الله عنك لم أذنت لهم }وفي قوله عليه الصلاة والسلام لربه، حين بلغ به أذى المشركين – في قصته مع ثقيف الطائف - مبلغه: { أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي } فقد عاتب الله النبي وعاتبه نبيه، وعتابهما يحمل على عتاب الأحبة، وهو أمر مألوف في مقام الحب."
وما قاله الشاعر فى الكلام المنقول يفرق تماما عن كلام الرواية المنسوبة للنبى(ص)فمن المحال أن يكون البقاء والفناء فى نفس الوقت" وإنما ... بقائي وقد أفناني الحب"
ومن المحال أن يكون حب الله مهلك كما قال" فإن العشق للصب مهلك" لأنه منجى كما قال تعالى " وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم"
وتحدثوا عن ترفع الرجل عن الحب الأنثوى فقالوا :
"وفي أغلب الأحوال كان شاعرنا صريحا في غزله، مبينا في مقاصده الصوفية، ومعبرا تعبيرا مباشرا أحيانا عن ترفعه عن أية علاقة بشرية أو حب أنثوي، بل هو ينعت ذلك الحب البشري بالخسة والدناءة، يقول:
شغلت بمن أضحى فؤادي محله ... ولم يك شغلي بالرباب وعلوة
ولم ترض روحي بالدناءة إنما ... إلى عالم المعنى زممت مطيتي
فشاهدت معنى لو بدا كشف سره ... لصم الجبال الراسيات لدكت
على طور قلبي كان ميقات قربتي ... وفي قاب قوسي الحبيب تجلت
فلاح على الأشباح منها جلاله ... وفاح على الأرواح عطر نسيمتي
والأبيات – كما نرى – لا يمكن قراءتها إلا قراءة صوفية، فقوله: ( شغلت بمن أضحى فؤادي محله ) إشارة إلى الحديث القدسي: { ما وسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن }وقوله: (عالم المعنى، وطور قلبي، وقاب قوسي الحبيب، وتجلت، والأشباح والأرواح ) كل هذه الأمور لا يمكن فهمها وتفسيرها إلا في إطار حب صوفي يتسامى فوق عالم المادة.
وفي قصيدة أخرى يعبر عن هذا المعنى أيضا، مؤكدا ترفعه عن الحب البشري في أرقى صوره، لأن لديه ما يشغله عن كل ما يصبو إليه أرباب الحب التقليدي، وأساطين الغزل العذري، ذاك هو المحبوب الأزلي الذي سكن قلبه، واستولى على جوارحه؛ فبه يسمع وبه يبصر، هو مقصوده إذا صرح، ومراده إذا كنى، إنه غاية الغايات، وكل ما في الجنان من نعيم خالد تطمح إليه النفوس، فإن شاعرنا لا يجد له قيمة تذكر، أو نفعا يرتجى، إلا أن يكون سببا في قربه من محبوبه، وهو أقصى ما تتمناه نفسه، ويهفو إليه قلبه:
المؤلفون الثلاثة علي حيدر وعيسى فارس وماهر عبد القادر وفى مقدمتهم تحدثوا عن أن كلمة الحب شغلت الصوفية شغلا عظيما فقالوا:
" ما من أمر أقض مضاجع الصوفية، فأرق ليلهم، وأقلق نهارهم مثل الحب. وما من كلمة لهج بها هؤلاء، وترنموا بها في أناشيدهم وأشعارهم مثل الحب؛ فالحب مذهبهم، والحب مشربهم، والحب ديدنهم. وهل كان المتصوفة من مبدأ أمرهم إلى نهاية مطافهم إلا عشاقا والهين متألهين؟"
وتحدثوا عن أن الحب عند المقدسى اتخذوا محورين حب الله وهو الغزل كما سموه وحب الرسول(ص) وهو ما سموه المديح النبوى فقالوا:
"والمحور الأساسي في شعر المقدسي كان الحب، وهذا الحب أخذ لديه مظهرين اثنين؛ فقد كانت لواعج شوقه تتجه أحيانا إلى النبي الكريم، فيعبر عنها بالمديح النبوي. كما كانت تسمو به الهمم أحيانا وترقى إلى الخالق سبحانه، فيعبر عن ذلك بالغزل الصوفي أو بالخمريات الصوفية.
ومن البداهة أن كلا النوعين يصبان، من حيث الغاية، في مصب واحد؛ فالله سبحانه هو الذي خاطب نبيه بقوله: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله }. وقد ورد عن النبي الكريم قوله: { من أحبني فقد أحب الله}. ومنطق الأمور – ولاريب – يقتضي أن يكون حب النبي - صلى الله عليه وسلم - فرعا لحب الله، أو رافدا له يصب فيه، والمقدسي أشار إلى هذا المعنى بقوله:
ولولاه ما زمت رحال مطينا ... إلى يثرب تبغي الذي هو يهواه
ومن ذا الذي اختاره الله، وخصه بحبه منذ القدم غير نبيه الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا ما عناه شاعرنا بقوله:
ولقد حبا الله العظيم محمدا ... بالحب منه في الزمان السابق"
ومما سبق نجد ان الثلاثة أقروا أن المديح النبوى هو جزء من حب الله من خلال الاستدلال بالآية والرواية
استهل القوم حديثهم بالغزل الصوفى عند المقدسى فقالوا:
"الغزل الصوفي في شعر المقدسي:
يشغل الغزل الصوفي مكانا واسعا من الإرث الشعري الذي خلفه ابن غانم، بل هو يشغل الحيز الأوسع من شعر المتصوفة على وجه العموم، ولا غرابة في هذا؛ وقد علمنا أن غاية الغايات لدى هؤلاء هي المعرفة الإلهية، أو القرب من الله سبحانه، بل الفناء الكلي في ذاته تعالى، حتى يصير المحب والمحبوب واحدا؛ فيفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل.
وإذا ما استعرضنا دواوين كبار شعراء التصوف؛ كالحسين بن منصور الحلاج، وابن عربي، وابن الفارض، والمقدسي، وأمثالهم من العرب وكسعد الدين الشيرازي، وسنائي، وفريد الدين العطار، وجلال الدين الرومي، وغيرهم من غير العرب. نجد أن الكثرة الكاثرة من أشعارهم تدور في فلك الحب ولوازمه؛ من شرح الأشواق، وشكوى البعد والهجر، ولوعة الحنين، إلى متعة النجوى، وجلال المشاهدة، ولذة القرب والوصال.
وبعد، فليس غلوا أن نقول: إن الأغراض الشعرية الأخرى التي نجدها لدى شعراء المتصوفة عموما، ولدى شاعرنا بطبيعة الحال، كانت تؤول إلى ذلك الحب الإلهي، بسبب مباشر أو غير مباشر، جلي أو خفي، وأن تلك الأغراض المختلفة ما كان لها أن توجد في أشعارهم أو تذكر لولا بواعث ذلك الحب ودواعيه، ولئن كان في مقدورنا التفريق – لدى الشعراء التقليديين – بين شعر الغزل وشعر الخمر " الحسيين "؛ في غاية كل منهما وفي طرائقه التعبيرية، والنظر إلى كل فن من الفنين نظرة مستقلة عن الآخر، فمن غير الجائز أن ننحو المنحى نفسه في فهمنا ودراستنا شعر المتصوفة؛ ذلك أن الخمر التي عنها يتحدثون، والسكر الذي فيه يهيمون، وما يلحق بذلك كله من ذكر الكأس والدن والحان، والساقي والشرب، وما إلى ذلك، ليس في حقيقته إلا مصطلحات ابتكروها، أو ألفاظا استعملوها استعمالا مجازيا، ليعبروا عما ينتابهم من أحوال الحب والقرب والوصال.
فسكر هؤلاء هو قربهم ووصالهم، وساقيهم هو محبوبهم، وكاساتهم هي تجلياته المتعددة، وعلى ذلك فإن شعر الخمر لدى المتصوفة هو شعر الغزل عينه - من هذا الوجه - وإن اختلفت الألفاظ وطرائق التعبير بين هذا وذاك.
ولا يختلف الأمر كثيرا حين يكون الحديث عن مقاماتهم الصوفية؛ فما الفناء والبقاء، والتجلي والمشاهدة، والقبض والبسط، والفرق والجمع، وما شابه ذلك إلا مصطلحات تعبر عن أحوال تنتاب القوم في سلوكهم وترقيهم في ميادين الحب والقرب والمعرفة الإلهية حتى إن كلامهم في الزهد وذم الدنيا، والرد على المنكرين، يرتبط – ولا شك – بهذا الحب، ويرجع إليه؛ فهل أعرض هؤلاء عن الدنيا، وتخلوا عن مباهجها ومغرياتها، وتحملوا لوم اللائمين، إلا تقربا من الله وزلفى ؟؟ فلا غرو –على هذا النحو – أن يكون شعر الغزل هو الغرض الأصيل في شعر المقدسي، وتكون الأغراض الأخرى فروعا له أو بعضا من لوازمه."
كلام الثلاثة تعرض لصفات الحب الإلهى المزعوم عند الصوفية مبررين هذا الشعر بمبرر لا مسوغ له وهو أنه تعبير عن مقاماتهم وأحوالهم والحقيقة أنه لا يوجد أحوال ولا مقامات فكل هذا الاختراعات ابتداع سوء يخالف قوله تعالى " ليس كمثله شىء" فذلك الشعر كله تشبيهات لله بخلقه وتشبيهات للخلق بالله
وتحدث الثلاثة عن العام والخاص فى الغزل الصوفى مقرين بأن كل شاعر منهم حالة خاصة وليس نموذج متكرر كما فى الغزل الحسى فقالوا
"العام والخاص في الغزل الصوفي:
رأينا توحد المتصوفة في حبهم وغزلهم؛ من جهة المقاصد والغايات، والأحوال والمقامات، ثم اتفاقهم في الأساليب التعبيرية، والمصطلحات الصوفية، فهل نفهم من ذلك أنهم كانوا جميعا يمثلون نموذجا واحدا، ذا طابع واحد، وذوق واحد، وغاية واحدة؛ فلا اختلاف في مشاربهم، ولا فرق في مواجدهم، وأن القارئ لا يجد فرقا بين أن يقرأ شعر ابن الفارض، أو يسمع شعر المقدسي، أو يتمعن في شعر ابن عربي؟
علينا أن نذكر هنا أن ما ينطبق على شعراء الغزل الصوفي – في هذا الصدد – ينطبق تماما على شعراء الغزل التقليدي، فهؤلاء أيضا يصدرون في أشعارهم عن عاطفة واحدة، كما يشتركون في أحاسيس واحدة؛ فالشوق والحنين، والهجر والوصال، والبعد واللقاء، والعذول الذي ينغص عيشهم، كل هذه من الأمور التي يشترك فيها شعراء الغزل الحسي، ومع ذلك فما كان هؤلاء يمثلون نموذجا واحدا مكرورا، وإنما كان لكل منهم تجربته وخصوصيته في الحب، وبالتالي فإن له خصوصياته وميزاته في الشعر والأدب."
وتحدثوا عن لغة الحب عند ابن غانم المقدسى فقالوا :
"لغة الحب عند المقدسي:
نحا المقدسي في التعبير عن عواطفه ومواجده وحبه الإلهي منحى الصوفية السابقين، في التعبير بأساليب مستمدة من شعر الغزل الإنساني، المعروف لدى الشعراء التقليديين، والعذريين منهم على وجه أخص، يقول قاسم غنى في هذا المعنى:
[ وكل من له معرفة بالأشعار العرفانية العربية، والأشعار الفارسية، بصورة خاصة، يعلم أن مسألة ميل الروح إلى الله هي من أهم المسائل الصوفية تقريبا، جاءت دائما بنفس الألفاظ والتعبيرات والاصطلاحات المتداولة بين العاشق والمعشوق الماديين. وهذا الشبه في الكلام من الكثرة بحيث لو لم يكن بيدنا مفتاح لأغراض الشاعر لاحترنا في فهم معاني تلك الأشعار ومراد الشاعر منها فنرى أحيانا أن العارفين الشعراء، ولاسيما ناظمو الغزل، قد استخدموا هذه العبارات الرمزية، ناظرين إلى الصناعة الأدبية، وقد جعلوا القارئ لا يستطيع أن يميز بين العشق الصوري والعشق الحقيقي ]"
وما قاله قاسم غنى عن عدم التمييز بين العشق الصورى والحقيقى فى شعر الصوفية انتقده الثلاثة بأن شعر المقدسى واضح بين فقالوا:
"على أننا في مطالعتنا شعر المقدسي - وبالرغم من جريه على سنن أسلافه في استخدام أساليب الغزل الإنساني– لم نجد مثل ذلك الالتباس، الذي يشير إليه غنى، في التمييز بين العشق الصوري والعشق الحقيقي، أو بين الحب البشري والحب الإلهي، والذي نجده لدى كثير من شعراء المتصوفة، ولاسيما شعراء الفرس منهم، فالمقاصد الإلهية في غزل المقدسي واضحة بينة، وكل ما يستخدمه من عبارات الغزل، وما يوشح به أفكاره ومعانيه من أستار الرمز، يبقى على قدر من الشفافية، بحيث يستطيع الناظر - وللوهلة الأولى في أغلب الأحيان - أن يرى ما تنطوي عليه من حب روحي سام، وأشواق إلهية راقية، تتعالى فوق المقاصد الحسية، والغايات البشرية. فإذا قرأنا قول شاعرنا:
في حبه يستعذب التعذيب ... وبذكره يحلو الهوى ويطيب
يا لائمي في حبه متعسفا ... أقصر فمالك من هواه نصيب
ما كل من يهوى يحب ولا الذي ... يقصى بعيد ولا القريب قريب
من لم يكن أهلا لحضرة قربه ... ذاك الذي في حالتيه غريب
فلن يخفى علينا – وإن لم يصرح في مقطوعته هذه باسم حبيبه – أنه يتحدث عن المحبوب الأزلي، فمن ذاك – من أرباب العشق البشري – الذي يستسيغ العذاب في الحب على هذا النحو، ويستوي لديه القرب والبعد الحسيان؛ إذ لا قيمة لوصال زائل أو لقاء عابر، ما لم يكن المحب مؤهلا للجلوس في حضرة القرب الأبدية،"
وكلام المقدسى من ضمن الخبل فلا أحد يستعذب أى يستحلى العذاب وهو الألم والوجع فلو كان حلوا ما أمر الله أن يعلنوا الكفر بالله حتى لا يعذبوا من قبل الكفار فى الدنيا كما قال تعالى :
"وأولئك هم الكاذبون من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم"
وما قاله لا يفرق عن المثل العامى ضرب الحبيب كأكل الزبيب
وحديثه عن اتباع الهوى يخالف نهى الله عن اتباع الهوى الذى يدخل النار وعدم اتباع الهوى يدخل الجنة كما قال تعالى :
"وأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هى المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى"
وتحدثوا عن تفرقة المقدسى بين الهوى والحب فقالوا:
" ويفرق شاعرنا أيضا بين الهوى النفساني العابر والحب الروحاني الراسخ. وإذا استمعنا إلى قوله:
نحن من قوم إذا عشقوا ... بذلوا الأرواح في الطلب
وتفانوا في محبته ... كتفاني الذر في اللهب
كيف يخشى النار ذو حرق ... في لظى نار الغرام ربي
إن أمت عشقا فلا عجب ... هكذا أوصى إلي أبي
فلا نشك في أن العشق الذي ورثه الشاعر عن أبيه، وعن عمه، وهما بدورهما عن جده، وعن قومهم من الصوفية السابقين، هو عشق صوفي خالص وحب إلهي صرف، ولن تنصرف أفكارنا أو تتجه ظنوننا إلى حب بشري دنيوي، ثم لا نجد أنفسنا مضطرين إلى تمحل التأويلات الغريبة، كابن عربي حين اضطره غموض الرمز وغلوه إلى شرح ديوانه " ترجمان الأشواق"شرحا متكلفا أيما تكلف، ليدفع عن نفسه الريب الذي جره عليه شعره، إذ اضمحلت فيه الخطوط الفاصلة بين الحب الحسي والحب الروحي الرباني، وتلاشت بحيث يغدو التمييز بينهما أمرا عسيرا"
والتفرقة بين النفسى والروحى هو من ضمن الخبل فلا وجود للروح بمعنى الشىء الذى يموت إلا كونها النفس كما قال تعالى " كل نفس ذائقة الموت" فالروح والنفس شىء واحد وليس شيئين
وتحدثوا عن استعماله لوازم العشق والغزل الحسي فى شعره فقالوا:
"وإذا كان شاعرنا المقدسي يستعير – أحيانا – من لوازم العشق والغزل الحسي ما قد يوهم السامع، قليل الخبرة بأساليب القوم، أنه غير جائز في باب العشق الإلهي، كقوله في عتاب الأحبة:
أعاتب من أهوى فيصغي تعطفا ... علي وأصغي بعد ذاك فيعتب
إليك فإن العشق للصب مهلك ... وفي طيه من جانب الصبر مطلب
ولا غرو إن أنكرت فرط صبابتي ... وداء الهوى صعب لمن لا يجرب
فبالنظر إلى مستهل القصيدة الذي يقول فيه:
حديث الهوى يملى علي فأطرب ... وكأس الرضا يجلى علي فأشرب
فلا عجب أني سكرت وإنما ... بقائي وقد أفناني الحب أعجب
نجد من ألفاظ الصوفية ومصطلحاتهم ( كأس الرضا، البقاء بعد الفناء ) ما يؤكد أن الشاعر يرمي إلى حب إلهي لا بشري، وأن العتاب الذي يشير إليه الشاعر هو كالذي ورد في قوله تعالى لنبيه الكريم: { عفا الله عنك لم أذنت لهم }وفي قوله عليه الصلاة والسلام لربه، حين بلغ به أذى المشركين – في قصته مع ثقيف الطائف - مبلغه: { أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي } فقد عاتب الله النبي وعاتبه نبيه، وعتابهما يحمل على عتاب الأحبة، وهو أمر مألوف في مقام الحب."
وما قاله الشاعر فى الكلام المنقول يفرق تماما عن كلام الرواية المنسوبة للنبى(ص)فمن المحال أن يكون البقاء والفناء فى نفس الوقت" وإنما ... بقائي وقد أفناني الحب"
ومن المحال أن يكون حب الله مهلك كما قال" فإن العشق للصب مهلك" لأنه منجى كما قال تعالى " وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم"
وتحدثوا عن ترفع الرجل عن الحب الأنثوى فقالوا :
"وفي أغلب الأحوال كان شاعرنا صريحا في غزله، مبينا في مقاصده الصوفية، ومعبرا تعبيرا مباشرا أحيانا عن ترفعه عن أية علاقة بشرية أو حب أنثوي، بل هو ينعت ذلك الحب البشري بالخسة والدناءة، يقول:
شغلت بمن أضحى فؤادي محله ... ولم يك شغلي بالرباب وعلوة
ولم ترض روحي بالدناءة إنما ... إلى عالم المعنى زممت مطيتي
فشاهدت معنى لو بدا كشف سره ... لصم الجبال الراسيات لدكت
على طور قلبي كان ميقات قربتي ... وفي قاب قوسي الحبيب تجلت
فلاح على الأشباح منها جلاله ... وفاح على الأرواح عطر نسيمتي
والأبيات – كما نرى – لا يمكن قراءتها إلا قراءة صوفية، فقوله: ( شغلت بمن أضحى فؤادي محله ) إشارة إلى الحديث القدسي: { ما وسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن }وقوله: (عالم المعنى، وطور قلبي، وقاب قوسي الحبيب، وتجلت، والأشباح والأرواح ) كل هذه الأمور لا يمكن فهمها وتفسيرها إلا في إطار حب صوفي يتسامى فوق عالم المادة.
وفي قصيدة أخرى يعبر عن هذا المعنى أيضا، مؤكدا ترفعه عن الحب البشري في أرقى صوره، لأن لديه ما يشغله عن كل ما يصبو إليه أرباب الحب التقليدي، وأساطين الغزل العذري، ذاك هو المحبوب الأزلي الذي سكن قلبه، واستولى على جوارحه؛ فبه يسمع وبه يبصر، هو مقصوده إذا صرح، ومراده إذا كنى، إنه غاية الغايات، وكل ما في الجنان من نعيم خالد تطمح إليه النفوس، فإن شاعرنا لا يجد له قيمة تذكر، أو نفعا يرتجى، إلا أن يكون سببا في قربه من محبوبه، وهو أقصى ما تتمناه نفسه، ويهفو إليه قلبه: