- إنضم
- 14/7/21
- المشاركات
- 2,589
- مستوى التفاعل
- 26
- النقاط
- 48
- الجنس
- ذكر
غير متصل
قراءة في بحث ارتباط التشريع القرآني بالزمان
قراءة في بحث ارتباط التشريع القرآني بالزمان(بعض الأسرار والحكم)
المؤلف هو عودة عبد عودة عبد الله وسبب كتابة البحث استخراج الحكم في التشريع القرآنى المرتبط بالزمان وفى هذا قال :
"ويأتي هذا البحث بغرض تدقيق النظر في هذا التحديد الزمني، في محاولة لاستخراج شيء من هذه الحكم والأسرار التي أمكن الوقوف عليها. فلماذا كانت مدة الإيلاء أربعة أشهر؟ وعدة المطلقة ثلاثة قروء؟ ومدة إرضاع الطفل حولين كاملين؟ هذه الأسئلة وغيرها، حاولت في هذا البحث الوقوف على إجابات شافية واضحة لها"
وقد استهل البحث بآية الإيلاء فقال :
"أولا: مدة الإيلاء (أربعة أشهر)
قال تعالى: { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم * وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم }
المعنى الإجمالي:
يبين الله سبحانه في هذا النص: أنه على الذين يحلفون ألا يقربوا نساءهم بغرض الإضرار بهن، انتظار أربعة أشهر، فإن رجعوا إلى نسائهم، وحنثوا في اليمين أثناء هذه المدة، فإن الله يغفر لهم، وعليهم الكفارة. وإن عزموا على الطلاق؛ فإن الله سميع لحلفهم وطلاقهم، وعليم بنياتهم
والمراد من النص: أن الزوج إذا حلف ألا يقرب زوجته، تنتظره الزوجة مدة أربعة أشهر، فإن عاشرها في المدة فبها ونعمت، ويكون قد حنث في يمينه، وعليه الكفارة، وإن لم يعاشرها يخيره القاضي بين الرجوع فيما حلف عليه، وإلا طلق
السر في تحديد هذه الفترة الزمنية:
حدد هذا النص مدة الإيلاء بأربعة أشهر، فما الحكمة من هذا التحديد؟ وما السر في هذه المدة بالذات؟.
يظهر في هذا التحديد الزمني حفاظ القرآن الكريم على حقوق المرأة، ودفعه للأذى عنها، ذلك أن الرجل في الجاهلية، كان يحلف ألا يمس زوجته السنة والسنتين، بل وأكثر من ذلك، بقصد الإضرار بها وإذلالها، فيتركها كالمعلقة؛ لا هي زوجة ولا هي مطلقة. فأراد سبحانه وتعالى بهذا التشريع أن يضع حدا لهذا العمل الضار؛ فوقته بمدة أربعة أشهر، يتروى فيها الرجل، عله يرجع إلى رشده وصوابه؛ وإلا طلق زوجته وبذلك فإن هذا التشريع يصون المرأة عن استعباد الرجل الطائش، ويحميها من أن تبقى رهينة الذل والعبودية والاحتقار.
أما السر في تحديد هذه المدة بأربعة أشهر، فذلك لأن هذه المدة هي غالب ما تستطيع المرأة أن تصبر فيها عن زوجها. وقصة عمر بن الخطاب في ذلك مشهورة، حيث روي أنه خرج في المدينة، يتعسس أحوال الرعية ليلا، فسمع امرأة تنشد:
ألا طال هذا الليل واسود جانبه ... وأرقني أن لا حبيب ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يكفني ... وإكرام بعلي أن تنال مراكبه
فلما كان من الغد استدعى عمر تلك المرأة، وقال لها: أين زوجك؟ فقالت: بعثت به إلى العراق. فاستدعى عددا من النساء فسألهن عن المرأة،كم تصبر عن زوجها؟ فقلن: شهرين، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر، وينفذ صبرها في أربعة أشهر. فجعل عمر ـ رضي الله عنه ـ مدة غزو الرجل أربعة أشهر، فإذا مضت استرد الغازين ووجه قوما غيرهم."
إذا السر في تحديد المدة هو منع المرأة من الزنى
وتحدث عن آية القروء فقال :
"ثانيا: عدة المطلقة (ثلاثة قروء)
قال تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم }
المعنى الإجمالي:
تبين الآية: أنه يجب على المطلقات المدخول بهن، انتظار مدة ثلاثة أطهار، أو ثلاث حيضات، على خلاف في معنى القرء . وأنه لا يجوز لهن أن يخفين ما في أرحامهن، من الأولاد أو دم الحيض، استعجالا في العدة، وإبطالا لحق الزوج في الرجعة.
«إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر» أي إن كن حقا مؤمنات بالله ويخشين عقابه. وهذا تهديد لهن حتى يخبرن بالحقيقة، من غير زيادة ولا نقصان.
والأزواج أحق بهن في الرجعة، من التزويج للأجانب، إذا لم تنقض عدتهن، وكان الغرض من الرجعة، حسن المعاشرة والإصلاح لا الإضرار.
وللنساء والرجال حقوقا، الواحد منهم تجاه الآخر، وعليهم وعليهن واجبات، غير أن الرجال لهم عليهن درجة، وذلك في الرياسة، ومسؤولية القيام على المصالح، والإنفاق على الأسرة
السر في تحديد هذه الفترة الزمنية:
الحكمة من تشريع عدة المطلقة، محددة بهذه الفترة الزمنية - ثلاثة قروء- هي: معرفة براءة الرحم من الزوج السابق، وذلك حتى لا تختلط الأنساب، وحتى لا تضيع الحقوق. وهذا أمر متحقق سواء اعتبرنا المراد من القرء الحيضة أو الطهر، فكلا القولين موافق لحكمة التشريع، وعليه فإن الخطب في الخلاف يسير
ثم إن في هذه المدة الزمنية، تهيئة فرصة للزوجين لإعادة الحياة الزوجية، إن رأيا أن الخير في ذلك،"فإنه لابد من فترة معقولة، يختبر فيها الزوجان عواطفهما بعد الفرقة، فقد يكون في قلوبهما رمق من ود يستعاد، وعواطف تستجاش، ومعان غلبت عليها نزوة أو غلطة أو كبرياء، فإذا سكن الغضب، وهدأت الشرة، واطمأنت النفس، استصغرت تلك الأسباب التي دفعت إلى الفراق، وبرزت معان أخرى واعتبارات جديدة، وعاودها الحنين إلى استئناف الحياة، أو عاودها التجمل رعاية لواجب من الواجبات. والطلاق أبغض الحلال إلى الله، وهو عملية بتر لا يلجأ إليها إلا حين يخيب كل علاج"
ومن جهة أخرى فإن في ذلك تنويه بفخامة أمر النكاح، فهو أمر لا ينتظم بسهولة، ولا ينفك إلا بانتظار طويل، ولولا ذلك لكان بمنزلة لعب الصبيان، ينعقد ثم يفك بعد لحظات، لأدنى سبب، بل ولمجرد نزوة عابرة. ومن هنا كان الحرص على هذا النظام، فإن حدث حادث يوجب فكه، لم يكن بدون أن يتربص الزوجان مدة يجدان لتربصها بالا، ويقاسيان لها عناء."
والسر هنا في المدة ليس براءة الرحم لأن الحمل يعلم من مرور أول قرء وعدم الحمل يعلم من حدوث الحيض وإنما القروء الثلاثة السبب فيها هو :
محاولة اعادة الحياة الزوجية كما قال تعالى :
"وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا"
وتحدث عن آية الأرملة فقال :
"ثالثا: عدة المتوفى عنها زوجها (أربعة أشهر وعشرا)
قال تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير }
المعنى الإجمالي:
على النساء اللواتي يموت أزواجهن، أن يمكثن في العدة أربعة أشهر وعشرة أيام، حدادا على أزواجهن- وهذا الحكم لغير الحامل، التي سيأتي الكلام على عدتها- فإذا انقضت عدتهن فلا إثم عليكم أيها الأولياء في الإذن لهن بالزواج، وفعل ما أباحه لهن الشرع من الزينة والتعرض للخطاب، فإن الله عليم بجميع أعمالكم ويجازيكم عليها.
السر في تحديد هذه الفترة الزمنية:
روي عن سعيد بن المسيب، وأبي العالية وغيرهما، أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، هي معرفة براءة الرحم من الحمل.
ويدل عليه ما جاء في الحديث الصحيح: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا يؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وشقي أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار. ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة»
فهذه ثلاثة أربعينات بأربعة أشهر، والاحتياط بعشر بعدها، لما قد ينقص بعد الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه."
و والخطأ في الحديث نزول الملائكة الأرض لرحم الأمهات وهو ما يخالف أن الملائكة لا تنزل الأرض لعدم اطمئنانها فيها مصداق لقوله تعالى :
"قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا "
ثم قال :
وبيان ذلك: أن الله جعل عدة المتوفى عنها زوجها منوطة بالزمن الذي يتحرك فيه الجنين تحركا بينا، محافظة على أنساب الأموات، فهو سبحانه جعل عدة المطلقة ما يدل على براءة رحمها دلالة ظنية، وهي ثلاثة قروء كما تقدم، لأن المطلق يعلم حال مطلقته من طهر وعدمه، لما يعلمه من حالها قبل الطلاق، فلو أنها ادعت عليه نسبا، وهو يوقن بانتفائه كان له في اللعان مندوحة.
أما الميت فلا يدافع عن نفسه، فجعلت عدته زمنا يقطع فيه بانتفاء الحمل، وهو "أربعة أشهر وعشرا" وما بين استقرار النطفة في الرحم، إلى نفخ الروح في الجنين أربعة أشهر، كما هو مدلول الحديث السابق، وبما أن الجنين يقوى تدريجيا بعد نفخ الروح فيه، جعلت العشر الزائدة على الأربعة أشهر، لتحقق تحرك الجنين تحركا بينا، فإذا مضت هذه المدة الزمنية، حصل اليقين بانتفاء الحمل، إذ لو كان حمل لتحرك لا محالة، وهو يتحرك لأربعة أشهر، وزيدت عليها العشر احتياطا، لاختلاف حركات الأجنة قوة وضعفا باختلاف الجنين .
ومن جهة أخرى، فإن ثمة سر آخر في توقيت العدة بهذه الفترة الزمنية المحددة، يتمثل في احترام الإسلام للمرأة وتقديره لها، وتخفيفه العنت عنها، ورفعه عن كاهلها، ذلك أن المتوفى عنها زوجها في الجاهلية، كانت تلقى الكثير من العنت، من الأهل، وأقارب الزوج، بل ومن المجتمع كله، فكانت إذا مات زوجها دخلت مكانا رديئا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبا ولا زينة مدة سنة، ثم تخرج وتقوم بعدة شعائر تعبدية سخيفة تتفق مع سخافة الجاهلية، فخفف الإسلام عنها كل ذلك، ولم يجمع عليها بين فقدان الزوج، واضطهاد الأهل بعده، وإغلاق السبيل في وجهها دون حياة شريفة، وحياة عائلية مطمئنة
أما قوله تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم }
فجمهور المفسرين على أنها منسوخة، وكان ذلك الاعتداد لمدة حول على الصحيح في أول الإسلام، ثم نسخت المدة بقوله تعالى: { أربعة أشهر وعشرا } وهو وإن كان متقدما في التلاوة، فهو متأخر في النزول.
قال الرازي: "فهذا القول هو الذي اتفق عليه أكثر المتقدمين والمتأخرين من المفسرين"
ومما يدل على كون هذه الآية منسوخة، ما رواه الإمام البخاري عن عبد الله بن الزبير، أنه قال: قلت لعثمان بن عفان: «والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا» قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها، قال: يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه
وهذا يدل على أن عثمان كان يعلم أنها منسوخة، ولكنه وضعها في مكانها بتوقيف من النبي (ص)."
والخطأ هو أن السر في عدة الأرملة هو استبراء الرحم كلام باطل لأن الرحم يعرف حمله بعدم نزول الحيض كما يعرف عدم حمله بنزول الحيض مرة
وتحدث عن آية اليائسات والحوامل فقال :
"رابعا: عدة اليائس والصغيرة (ثلاثة أشهر)، وعدة الحامل (وضع الحمل)
قال تعالى: { واللآئي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللآئي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا }
المعنى الإجمالي:
تبين الآية: أن اللآئي بلغن سن اليأس؛ فانقطع حيضهن لكبرهن، وكذا الصغار اللواتي لم يحضن، أو من لم يكن لها حيض ألبته، فهؤلاء إن كنتم شككتم في عدتهن، فهي ثلاثة أشهر. أما الحوامل، سواء منهن المطلقة، أو المتوفى عنها زوجها، فعدتهن هي الفترة الزمنية التي يوجد فيها الحمل، فإذا وضعت حملها انتهت عدتها
فالآية تحدد ثلاث فترات زمنية، هي:
1- ثلاثة أشهر، وهي عدة الكبيرة التي بلغت سن اليأس.
2- ثلاثة أشهر أيضا، وهي عدة الصغيرة التي لا تحيض.
3- المدة الزمنية الممتدة حتى وضع الحمل، وهي عدة الحامل.
السر في تحديد هذه الفترات الزمنية:
من أسرار هذا النص القرآني، أنه بين الحكم الشرعي، وأزال اللبس فيما يتعلق بعدة المرأة التي لا تحيض - سواء أكانت كبيرة أم صغيرة - وعدة المرأة الحامل.
ذلك أن هذه الآية حددت عدة الكبيرة والصغيرة بثلاثة شهور، وعدة الحامل بوضع حملها، فأزالت اللبس والشك الذي كان واقعا في هذا الحكم.
ويدل على وجود هذا اللبس، ما رواه البيهقي في سننه، والحاكم في مستدركه وصححه، أنه: لما نزلت عدة النساء في سورة البقرة في المطلقة والمتوفى عنها زوجها، قال أبي بن كعب رضي الله عنه: يا رسول الله؛ إن أناسا من أهل المدينة يقولون: قد بقي من النساء ما لم يذكر فيه شيء، قال: وما هو؟ قال: الصغار، والكبار، وذوات الحمل، قال: فنزلت: { واللآئي يئسن من المحيض من نسائكم ... }
أما حكمة كون العدة بالأشهر في الكبيرة والصغيرة، دون نظر إلى الأقراء، فذلك لانعدام الأقراء في العادة، "والأحكام إنما أجراها الله تعالى على العادات، فهي تعتد بالأشهر، فإذا رأت الدم في زمن احتماله عند النساء انتقلت إلى الدم لوجود الأصل، وإذا وجد الأصل لم يبق للبدل حكم، كما أن المسنة إذا اعتدت بالدم ثم ارتفع عادت إلى الأشهر، وهذا إجماع"
وأما السر في أن هذه المدة الزمنية (ثلاثة أشهر)، فذلك لأن كل شهر يقوم مقام حيضة أو طهر، لأن أغلب عوائد النساء أن يكون كل قرء في شهر
والمراد بالصغيرة هنا التي لم تبلغ سن الحيض، أما الكبيرة فهي التي يئست من المحيض، وحدد بعضهم لذلك سنا، فقال : ستون سنة، وقيل: خمس وخمسون.
قال ابن عاشور: "وترك الضبط بالسنين أولى، وإنما هو تقريب لإبان اليأس" . وإلى ذلك ذهب الإمام ابن تيمية
المؤلف هو عودة عبد عودة عبد الله وسبب كتابة البحث استخراج الحكم في التشريع القرآنى المرتبط بالزمان وفى هذا قال :
"ويأتي هذا البحث بغرض تدقيق النظر في هذا التحديد الزمني، في محاولة لاستخراج شيء من هذه الحكم والأسرار التي أمكن الوقوف عليها. فلماذا كانت مدة الإيلاء أربعة أشهر؟ وعدة المطلقة ثلاثة قروء؟ ومدة إرضاع الطفل حولين كاملين؟ هذه الأسئلة وغيرها، حاولت في هذا البحث الوقوف على إجابات شافية واضحة لها"
وقد استهل البحث بآية الإيلاء فقال :
"أولا: مدة الإيلاء (أربعة أشهر)
قال تعالى: { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم * وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم }
المعنى الإجمالي:
يبين الله سبحانه في هذا النص: أنه على الذين يحلفون ألا يقربوا نساءهم بغرض الإضرار بهن، انتظار أربعة أشهر، فإن رجعوا إلى نسائهم، وحنثوا في اليمين أثناء هذه المدة، فإن الله يغفر لهم، وعليهم الكفارة. وإن عزموا على الطلاق؛ فإن الله سميع لحلفهم وطلاقهم، وعليم بنياتهم
والمراد من النص: أن الزوج إذا حلف ألا يقرب زوجته، تنتظره الزوجة مدة أربعة أشهر، فإن عاشرها في المدة فبها ونعمت، ويكون قد حنث في يمينه، وعليه الكفارة، وإن لم يعاشرها يخيره القاضي بين الرجوع فيما حلف عليه، وإلا طلق
السر في تحديد هذه الفترة الزمنية:
حدد هذا النص مدة الإيلاء بأربعة أشهر، فما الحكمة من هذا التحديد؟ وما السر في هذه المدة بالذات؟.
يظهر في هذا التحديد الزمني حفاظ القرآن الكريم على حقوق المرأة، ودفعه للأذى عنها، ذلك أن الرجل في الجاهلية، كان يحلف ألا يمس زوجته السنة والسنتين، بل وأكثر من ذلك، بقصد الإضرار بها وإذلالها، فيتركها كالمعلقة؛ لا هي زوجة ولا هي مطلقة. فأراد سبحانه وتعالى بهذا التشريع أن يضع حدا لهذا العمل الضار؛ فوقته بمدة أربعة أشهر، يتروى فيها الرجل، عله يرجع إلى رشده وصوابه؛ وإلا طلق زوجته وبذلك فإن هذا التشريع يصون المرأة عن استعباد الرجل الطائش، ويحميها من أن تبقى رهينة الذل والعبودية والاحتقار.
أما السر في تحديد هذه المدة بأربعة أشهر، فذلك لأن هذه المدة هي غالب ما تستطيع المرأة أن تصبر فيها عن زوجها. وقصة عمر بن الخطاب في ذلك مشهورة، حيث روي أنه خرج في المدينة، يتعسس أحوال الرعية ليلا، فسمع امرأة تنشد:
ألا طال هذا الليل واسود جانبه ... وأرقني أن لا حبيب ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يكفني ... وإكرام بعلي أن تنال مراكبه
فلما كان من الغد استدعى عمر تلك المرأة، وقال لها: أين زوجك؟ فقالت: بعثت به إلى العراق. فاستدعى عددا من النساء فسألهن عن المرأة،كم تصبر عن زوجها؟ فقلن: شهرين، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر، وينفذ صبرها في أربعة أشهر. فجعل عمر ـ رضي الله عنه ـ مدة غزو الرجل أربعة أشهر، فإذا مضت استرد الغازين ووجه قوما غيرهم."
إذا السر في تحديد المدة هو منع المرأة من الزنى
وتحدث عن آية القروء فقال :
"ثانيا: عدة المطلقة (ثلاثة قروء)
قال تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم }
المعنى الإجمالي:
تبين الآية: أنه يجب على المطلقات المدخول بهن، انتظار مدة ثلاثة أطهار، أو ثلاث حيضات، على خلاف في معنى القرء . وأنه لا يجوز لهن أن يخفين ما في أرحامهن، من الأولاد أو دم الحيض، استعجالا في العدة، وإبطالا لحق الزوج في الرجعة.
«إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر» أي إن كن حقا مؤمنات بالله ويخشين عقابه. وهذا تهديد لهن حتى يخبرن بالحقيقة، من غير زيادة ولا نقصان.
والأزواج أحق بهن في الرجعة، من التزويج للأجانب، إذا لم تنقض عدتهن، وكان الغرض من الرجعة، حسن المعاشرة والإصلاح لا الإضرار.
وللنساء والرجال حقوقا، الواحد منهم تجاه الآخر، وعليهم وعليهن واجبات، غير أن الرجال لهم عليهن درجة، وذلك في الرياسة، ومسؤولية القيام على المصالح، والإنفاق على الأسرة
السر في تحديد هذه الفترة الزمنية:
الحكمة من تشريع عدة المطلقة، محددة بهذه الفترة الزمنية - ثلاثة قروء- هي: معرفة براءة الرحم من الزوج السابق، وذلك حتى لا تختلط الأنساب، وحتى لا تضيع الحقوق. وهذا أمر متحقق سواء اعتبرنا المراد من القرء الحيضة أو الطهر، فكلا القولين موافق لحكمة التشريع، وعليه فإن الخطب في الخلاف يسير
ثم إن في هذه المدة الزمنية، تهيئة فرصة للزوجين لإعادة الحياة الزوجية، إن رأيا أن الخير في ذلك،"فإنه لابد من فترة معقولة، يختبر فيها الزوجان عواطفهما بعد الفرقة، فقد يكون في قلوبهما رمق من ود يستعاد، وعواطف تستجاش، ومعان غلبت عليها نزوة أو غلطة أو كبرياء، فإذا سكن الغضب، وهدأت الشرة، واطمأنت النفس، استصغرت تلك الأسباب التي دفعت إلى الفراق، وبرزت معان أخرى واعتبارات جديدة، وعاودها الحنين إلى استئناف الحياة، أو عاودها التجمل رعاية لواجب من الواجبات. والطلاق أبغض الحلال إلى الله، وهو عملية بتر لا يلجأ إليها إلا حين يخيب كل علاج"
ومن جهة أخرى فإن في ذلك تنويه بفخامة أمر النكاح، فهو أمر لا ينتظم بسهولة، ولا ينفك إلا بانتظار طويل، ولولا ذلك لكان بمنزلة لعب الصبيان، ينعقد ثم يفك بعد لحظات، لأدنى سبب، بل ولمجرد نزوة عابرة. ومن هنا كان الحرص على هذا النظام، فإن حدث حادث يوجب فكه، لم يكن بدون أن يتربص الزوجان مدة يجدان لتربصها بالا، ويقاسيان لها عناء."
والسر هنا في المدة ليس براءة الرحم لأن الحمل يعلم من مرور أول قرء وعدم الحمل يعلم من حدوث الحيض وإنما القروء الثلاثة السبب فيها هو :
محاولة اعادة الحياة الزوجية كما قال تعالى :
"وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا"
وتحدث عن آية الأرملة فقال :
"ثالثا: عدة المتوفى عنها زوجها (أربعة أشهر وعشرا)
قال تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير }
المعنى الإجمالي:
على النساء اللواتي يموت أزواجهن، أن يمكثن في العدة أربعة أشهر وعشرة أيام، حدادا على أزواجهن- وهذا الحكم لغير الحامل، التي سيأتي الكلام على عدتها- فإذا انقضت عدتهن فلا إثم عليكم أيها الأولياء في الإذن لهن بالزواج، وفعل ما أباحه لهن الشرع من الزينة والتعرض للخطاب، فإن الله عليم بجميع أعمالكم ويجازيكم عليها.
السر في تحديد هذه الفترة الزمنية:
روي عن سعيد بن المسيب، وأبي العالية وغيرهما، أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، هي معرفة براءة الرحم من الحمل.
ويدل عليه ما جاء في الحديث الصحيح: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا يؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وشقي أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار. ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة»
فهذه ثلاثة أربعينات بأربعة أشهر، والاحتياط بعشر بعدها، لما قد ينقص بعد الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه."
و والخطأ في الحديث نزول الملائكة الأرض لرحم الأمهات وهو ما يخالف أن الملائكة لا تنزل الأرض لعدم اطمئنانها فيها مصداق لقوله تعالى :
"قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا "
ثم قال :
وبيان ذلك: أن الله جعل عدة المتوفى عنها زوجها منوطة بالزمن الذي يتحرك فيه الجنين تحركا بينا، محافظة على أنساب الأموات، فهو سبحانه جعل عدة المطلقة ما يدل على براءة رحمها دلالة ظنية، وهي ثلاثة قروء كما تقدم، لأن المطلق يعلم حال مطلقته من طهر وعدمه، لما يعلمه من حالها قبل الطلاق، فلو أنها ادعت عليه نسبا، وهو يوقن بانتفائه كان له في اللعان مندوحة.
أما الميت فلا يدافع عن نفسه، فجعلت عدته زمنا يقطع فيه بانتفاء الحمل، وهو "أربعة أشهر وعشرا" وما بين استقرار النطفة في الرحم، إلى نفخ الروح في الجنين أربعة أشهر، كما هو مدلول الحديث السابق، وبما أن الجنين يقوى تدريجيا بعد نفخ الروح فيه، جعلت العشر الزائدة على الأربعة أشهر، لتحقق تحرك الجنين تحركا بينا، فإذا مضت هذه المدة الزمنية، حصل اليقين بانتفاء الحمل، إذ لو كان حمل لتحرك لا محالة، وهو يتحرك لأربعة أشهر، وزيدت عليها العشر احتياطا، لاختلاف حركات الأجنة قوة وضعفا باختلاف الجنين .
ومن جهة أخرى، فإن ثمة سر آخر في توقيت العدة بهذه الفترة الزمنية المحددة، يتمثل في احترام الإسلام للمرأة وتقديره لها، وتخفيفه العنت عنها، ورفعه عن كاهلها، ذلك أن المتوفى عنها زوجها في الجاهلية، كانت تلقى الكثير من العنت، من الأهل، وأقارب الزوج، بل ومن المجتمع كله، فكانت إذا مات زوجها دخلت مكانا رديئا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبا ولا زينة مدة سنة، ثم تخرج وتقوم بعدة شعائر تعبدية سخيفة تتفق مع سخافة الجاهلية، فخفف الإسلام عنها كل ذلك، ولم يجمع عليها بين فقدان الزوج، واضطهاد الأهل بعده، وإغلاق السبيل في وجهها دون حياة شريفة، وحياة عائلية مطمئنة
أما قوله تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم }
فجمهور المفسرين على أنها منسوخة، وكان ذلك الاعتداد لمدة حول على الصحيح في أول الإسلام، ثم نسخت المدة بقوله تعالى: { أربعة أشهر وعشرا } وهو وإن كان متقدما في التلاوة، فهو متأخر في النزول.
قال الرازي: "فهذا القول هو الذي اتفق عليه أكثر المتقدمين والمتأخرين من المفسرين"
ومما يدل على كون هذه الآية منسوخة، ما رواه الإمام البخاري عن عبد الله بن الزبير، أنه قال: قلت لعثمان بن عفان: «والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا» قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها، قال: يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه
وهذا يدل على أن عثمان كان يعلم أنها منسوخة، ولكنه وضعها في مكانها بتوقيف من النبي (ص)."
والخطأ هو أن السر في عدة الأرملة هو استبراء الرحم كلام باطل لأن الرحم يعرف حمله بعدم نزول الحيض كما يعرف عدم حمله بنزول الحيض مرة
وتحدث عن آية اليائسات والحوامل فقال :
"رابعا: عدة اليائس والصغيرة (ثلاثة أشهر)، وعدة الحامل (وضع الحمل)
قال تعالى: { واللآئي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللآئي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا }
المعنى الإجمالي:
تبين الآية: أن اللآئي بلغن سن اليأس؛ فانقطع حيضهن لكبرهن، وكذا الصغار اللواتي لم يحضن، أو من لم يكن لها حيض ألبته، فهؤلاء إن كنتم شككتم في عدتهن، فهي ثلاثة أشهر. أما الحوامل، سواء منهن المطلقة، أو المتوفى عنها زوجها، فعدتهن هي الفترة الزمنية التي يوجد فيها الحمل، فإذا وضعت حملها انتهت عدتها
فالآية تحدد ثلاث فترات زمنية، هي:
1- ثلاثة أشهر، وهي عدة الكبيرة التي بلغت سن اليأس.
2- ثلاثة أشهر أيضا، وهي عدة الصغيرة التي لا تحيض.
3- المدة الزمنية الممتدة حتى وضع الحمل، وهي عدة الحامل.
السر في تحديد هذه الفترات الزمنية:
من أسرار هذا النص القرآني، أنه بين الحكم الشرعي، وأزال اللبس فيما يتعلق بعدة المرأة التي لا تحيض - سواء أكانت كبيرة أم صغيرة - وعدة المرأة الحامل.
ذلك أن هذه الآية حددت عدة الكبيرة والصغيرة بثلاثة شهور، وعدة الحامل بوضع حملها، فأزالت اللبس والشك الذي كان واقعا في هذا الحكم.
ويدل على وجود هذا اللبس، ما رواه البيهقي في سننه، والحاكم في مستدركه وصححه، أنه: لما نزلت عدة النساء في سورة البقرة في المطلقة والمتوفى عنها زوجها، قال أبي بن كعب رضي الله عنه: يا رسول الله؛ إن أناسا من أهل المدينة يقولون: قد بقي من النساء ما لم يذكر فيه شيء، قال: وما هو؟ قال: الصغار، والكبار، وذوات الحمل، قال: فنزلت: { واللآئي يئسن من المحيض من نسائكم ... }
أما حكمة كون العدة بالأشهر في الكبيرة والصغيرة، دون نظر إلى الأقراء، فذلك لانعدام الأقراء في العادة، "والأحكام إنما أجراها الله تعالى على العادات، فهي تعتد بالأشهر، فإذا رأت الدم في زمن احتماله عند النساء انتقلت إلى الدم لوجود الأصل، وإذا وجد الأصل لم يبق للبدل حكم، كما أن المسنة إذا اعتدت بالدم ثم ارتفع عادت إلى الأشهر، وهذا إجماع"
وأما السر في أن هذه المدة الزمنية (ثلاثة أشهر)، فذلك لأن كل شهر يقوم مقام حيضة أو طهر، لأن أغلب عوائد النساء أن يكون كل قرء في شهر
والمراد بالصغيرة هنا التي لم تبلغ سن الحيض، أما الكبيرة فهي التي يئست من المحيض، وحدد بعضهم لذلك سنا، فقال : ستون سنة، وقيل: خمس وخمسون.
قال ابن عاشور: "وترك الضبط بالسنين أولى، وإنما هو تقريب لإبان اليأس" . وإلى ذلك ذهب الإمام ابن تيمية