شرح حديث: كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان
شرح حديث: كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
متن الحديث:
عن عائشة رضي الله عنها: «أنها كانت تُرجِّل النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض، وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها، يناولها رأسه».
وفي رواية: «وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان». وفي رواية أن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة ».
الشرح:
قول المؤلف وفي رواية هذه والتي تليها: عند مسلم رحمه الله.
وأما يتعلق بغريب الحديث:
ترجِّل: الترجيل هو تسريح الشعر، فكانت تسرح شعره وتدهنه.
وقولها وأنا حائض: الحيض هو سيلان الدم الطبيعي، الذي يعتاد النساء عند بلوغهن.
حجرتها: أي بيت عائشة الملاصق للمسجد من الناحية الشرقية، وفيه دفن صلى الله عليه وسلم.
حاجة الإنسان: أي البول والغائط.
وموضوع هذا الحديث: هو أحكام خروج المعتكف.
وعائشة رضي الله تعالى عنها، أخبرت أنها كانت تُصلح رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وتُسرَّحه وهي حائض، فكان اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنعه من ترجيل شعره، وتنظيف بدنه، وكان لا يخرج من المسجد صلى الله عليه وسلم، بل يمد إليها رأسه وهي في حجرتها، فترجله وهي حائض.
فكان صلى الله عليه وسلم لا يخرج من المسجد وهو معتكف إلا لحاجة الإنسان، لما فيه الحاجة من الطعام أو الشراب أو قضاء حاجته ونحو ذلك، لأن الاعتكاف: هو لزوم المسجد، والخروج من المسجد ينافي هذا الأمر، لذلك حكت عائشة -رضي الله تعالى عنها- عن نفسها أنها لا تدخل البيت إلا لحاجة، وذلك إذا اعتكفت، ومن عنايتها -رضي الله تعالى عنها- بشأن الاعتكاف أنها كانت تُعجِّل بالرجوع إلى المسجد، وقد يكون المريض في طريقها فلا تقف عليه لتواسيه أو تجلس عنده، بل تسأل عنه وهي مارة، يعني في طريقها وذهابها وإيابها إلى المسجد، فكانت لا تسأل عن المريض، ولا تجلس عنده إلا وهي مارة، فقط تُعرِّج عليه من غير أن تقف عنده رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
وهذا الحديث يبين حقيقة عن جانب من جوانب وسطية الإسلام، وكمال الإسلام، إذا نظرنا إلى اليهود وهم يتشددون في أمر الحائض: فيجتنبون منها ما أباحه الله، فلا يباشرونها، ولا يضاجعونها، بل يعتزلونها ويرونها رجسًا ونجسًا، والنصارى على نقيضهم: فلا يتحاشون من المرأة شيئًا وهي حائض أو نفساء، بل يعاملونها معاملة المرأة الطاهرة، أما الإسلام: فهو دين العدل والتوسط والسماحة واليسر، يراعي المرأة حتى وهي في هذه الحالة التي تقتضي الرحمة، وحسن التعامل، فالإسلام يرى أنها طاهرة في بدنها وعرقها وثوبها، لأن المؤمن لا ينجس، لا حيًا ولا ميتًا، فهذا يدلك على كمال الإسلام، ولذلك ذكر أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عن هذا: لأنهم يرون فعل اليهود، لا يؤاكلون المرأة ولا يجامعونها في البيت، فسألوا عن ذلك، فأنزل الله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾ [البقرة: 222] إلى آخر الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» رواه مسلم، وهذا الحديث يدل على كمال الإسلام، وأن الإسلام يراها طاهرة في بدنها، وفي عرقها، وفي ثوبها، وأنه لابأس من مباشرتها للأشياء، ولابأس أن يباشرها زوجها، إلا أن المحرم عليه هو الجماع أثناء الحيض.