- إنضم
- 14/7/21
- المشاركات
- 2,589
- مستوى التفاعل
- 26
- النقاط
- 48
- الجنس
- ذكر
غير متصل
نظرات فى خطبة الموت
نظرات فى خطبة الموت
الخطبة موضوعها الموت وقد حاولت الوصول لاسم الخطيب فلم أوفق ووجدت معظمها فى موقع اسمه على خطى الحبيب والناشر أبو عبد الرحمن والله أعلم بمن هو الخطيب وقد بدأت بمقدمة لم أحذفها ربما لأنى أعجبت بسجعها وهذه المقدمة منقولة من كتاب إحياء علوم الدين للغزالى وهى :
"الحمد لله الذى أنهى بالموت آمال القياصرة ، فنقلهم بالموت من القصور إلى القبور ، ومن ضياء المهود إلى ظلمات اللحود ومن ملاعبة الجوارى والنساء والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان ، ومن التنعم فى ألوان الطعام والشراب إلى التمرغ فى ألوان الوحل والتراب !!"
وحذفت بقية المقدمة التقليدية وقد استهلها الخطيب بتذكير الله لنبيه (ص) بكونه والخلق جميعا ميتون فقال :
"...اللهم صلى وسلم وزد وبارك عليه ، رفع الله له ذكره وشرح صدره وذكاه ربه على جميع خلقه ، ومع ذلك خاطبه ربه بقوله :
{ إنك ميت وإنهم ميتون } "
ثم تحدث عن الهدف من خلق الإنس والجن وهو عيادة الله فقال :
"أيها الخيار الكرام :
لقد بين الله جل وعلا لنا الغاية التى من أجلها خلقنا فقال سبحانه وتعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } .
بل وبين لنا حقيقة الدنيا التى جعلها محل اختبار لنا فقال سبحانه : { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور }
وأكد الحبيب المصطفى هذه الحقيقة فى حديثه الصحيح الذى رواه الترمذى من حديث سهل بن سعد الساعدى رضى الله عنه قال صلى الله عليه وسلم (( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ))
فالدنيا حقيرة عند الله أعطاها للمؤمن والكافر على السواء ، فلو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا قط شربة ماء واحدة ،"
والخطأ وصف الدنيا بالحقارة والحديث الذى بنى عليه ذلك مخالف لكتاب الله فالله لا يصف خلقه بذلك لأنه أحسن الخلق فقال :
"الذى أحسن كل شىء خلقه"
ووصف الله بعضها بالطيبات فقال :
" قل من حرم زينة التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق"
وأما أن مخلوق يعدل أو لا يعدل عند الله شىء فهذا يتناقض مع أنه غنى عن الكل ومن ثم كل الخلق لا يمثلون عنده شىء
وتحدث عن عدم الركون للدنيا فقال :
"لذا كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يوصى أحبابه بعدم الركون والطمأنينة إلى هذه الدار الفانية لا محالة ، كما أوصى بذلك عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كما فى صحيح البخارى :
(( كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل )) ، وكان ابن عمر يقول: " إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك " .
ورحم الله من قال :
إن لله عبادا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحى وطنا
جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
فالفطناء العقلاء هم الذين عرفوا حقيقة الدار ، فحرثوها وزرعوها ... وفى الآخرة حصدوها ."
وتحدث عن أن الوحى ذم الدنيا فقال :
"فالذم الوارد فى القرآن والسنة للدنيا لا يرجع إلى زمانها من ليل ونهار فلقد جعل الله الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ، والذم الوارد للدنيا فى الكتاب والسنة لا يرجع إلى مكانها ألا وهو الأرض ، إذ أن الله قد جعل الأرض لبنى آدم سكنا ومستقرا .
والذم الوارد فى القرآن والسنة لا يرجع إلى ما أودعها الله عز وجل من خيرات ، فهذه الخيرات نعم الله على عباده وجميع خلقه .
إنما الذم الوارد فى القرآن والسنة يرجع إلى كل معصية ترتكب فى حق ربنا جل وعلا ."
والرجل هنا يناقض نفسه فالله لم يذم الدنيا أبدا وإنما ذم من يرتكبون المعاصى فيها كما قال الرجل فى أخر الفقرة وكل ألأقول " إنما الدنيا بعب ولهو " إنما هى تعبير عن وجهة نظر الكفار لأن الله حكم بأنه خلق الكون الحالى وهو الدنيا للحق فقال:
" وما خلقنا والسموات والأرض وما بينهما إلا بالحق"
وحاول الرجل أن يقرر السابق فقال :
"إذا لابد وحتما من تأصيل هذا الفهم الدقيق لا سيما لإخواننا الدعاة وطلاب العلم الذين ربما يغيب عن أذهانهم حقيقة الزهد فى هذه الحياة الدنيا ، فنحن لا نريد أن نقنت أحدا من هذه الدنيا ، ولا نريد أن نثبت لعامل فى هذه الدنيا ولو كان فى الحلال أنه قد تجاوز عن طريق الأنبياء والصالحين والأولياء ... كلا ..!كلا ..!!
بل الدنيا مزرعة للآخرة .
تدبر معى قول على وهو يقول :
" الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار نجاة لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن أخذ منها ، الدنيا مهبط وحى الأنبياء ومصلى أنبياء الله ومتجر أولياء الله ".
فالدنيا مزرعة للآخرة فتدبر معى هذا الحديث الصحيح الذى رواه البخارى ومسلم من حديث أنس قال النبى - صلى الله عليه وسلم - :
(( ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة ))
إذا لابد من هذا التأصيل والفهم العميق لحقيقة الدنيا ، لننطلق من هذه الدار الفانية إلى دار تجمع بين سلامة الأبدان والأديان .. دار القرار .
فلابد قبل العبور إلى دار القرار من المرور من دار الفناء ، فالدنيا دار ممر والآخرة هى دار المقر ، الدنيا مركب عبور لا منزل حبور ، الدنيا دار فناء لا دار بقاء ، لابد من وعى هذه الحقيقة التى لا مراء فيها ، لنزرع هنا بذورا ، لنجنى هنالك ثمارا .
فاعلم أيها الحبيب هذه الحقائق جيدا ، وكن على يقين جازم بأن الحياة فى هذا الدنيا موقوتة محدودة بأجل ، ثم تأتى نهايتها حتما لابد ، فيموت الصالحون .. ويموت الطالحون .. يموت المجاهدون .. ويموت القاعدون .. يموت المستعلون بالعقيدة .. ويموت المستذلون للعبيد .. يموت الشرفاء الذين يأبون الضيم ويكرهون الذل ، والجبناء الحريصون على الحياة بأى ثمن .."
إذا الدنيا ليست مذمومة وإنما هى دار اختبار أى ممر والمذموم هو من عصى الله فيها
وتحدث عن حقيقة ثابتة لا يمكن لأحد أن يجادل فيها وهى موت الخلق فقال :
" الكل يموت
قال الله جل وعلا :
{ كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } .
فلابد أن تستقر هذه الحقيقة فى القلب والعقل معا ، إنها الحقيقة التى تعلن بوضوح تام على مدى الزمان والمكان فى أذن كل سامع وعقل كل مفكر أنه لا بقاء إلا للملك الحى الذى لا يموت ، إنها الحقيقة التى تصبغ الحياة البشرية كلها بصبغة العبودية والذل لقاهر السموات والأرض !!
إنها الحقيقة التى شرب كأسها تباعا الأنبياء والمرسلون بل والعصاة والطائعون !!
إنها الحقيقة التى تذكرنا كل لحظة من لحظات الزمن بقول الحى الذى لا يموت : { لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه }
أيها الحبيب تذكر هذه الحقيقة ولا تتغافل عنها إذ أن النبى أمرنا أن نكثر من ذكرها كما فى الحديث الصحيح الذى رواه الترمذى والنسائى والبيهقى والحاكم وغيرهم من حديث ابن عمر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال :
(( أكثروا من ذكر هادم اللذات ( الموت ) )) "
والخطأ فى الحديث هو الأمر بالإكثار من ذكر الموت ويتعارض هذا مع أن الله نهى الرسول عن الحزن فقال فى أكثر من سورة "ولا تحزن "وذكر هازم اللذات جالب للحزن وهذا يعنى وجوب نسيانه
وتحدث عما سماه سكرات الموت فقال :
"إنها الحقيقة التى سماها الله فى قرآنه بالحق فقال جل وعلا : { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } [
لا إله إلا الله ... الله أكبر ... الله أكبر
إن للموت لسكرات ... هل علمت إن هذه الكلمات قالها حبيب رب الأرض والسموات وهو يحتضر على فراش الموت ؟
روى البخارى عن عائشة رضى الله عنها قالت : مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين حاقنتى وذاقنتى وكان بين يديه ركوة ( علبة ) بها ماء فكان يمد يده فى داخل الماء ويمسح وجهه بأبى هو وأمى ويقول :
(( لا إله إلا الله إن للموت لسكرات ))
هكذا يقول حبيب رب الأرض والسموات إن للموت لسكرات !! حبيب الرحمن يذوق سكرة الموت ، فما بالنا نحن ؟!!
وفى رواية الترمذى كان الحبيب - صلى الله عليه وسلم - يقول :
(( إن للموت لسكرات وإن للموت لغمرات )) .
وفى رواية كان - صلى الله عليه وسلم - يدعوا الله ويقول :
(( اللهم أعنى على سكرات الموت )) .
{ وجاءت سكرة الموت بالحق } "
الغريب فيما سبق من أحاديث هو تحدث القرآن عن سكرة واحدة للموت والأحاديث تتحدث عن سكرات ومن المعروف أن الإنسان يموت مرة واحدة ولكنه لو مات مرات متعددة لوجب أن تكون سكرات ولكنها سكرة واحدة
وكالعادة لابد أن يستعين الخطباء بحكايات لا أصل لها وهنا استعان بما لم يرد فى الوحى فقال :
"وما أدراك ما السكرات ..! وما أدراك ما الكربات ..! فى هذه اللحظات يزداد الهم والكرب ، فى لحظات السكرات إذا نمت يا ابن آدم على فراش الموت ورأيت فى غرفتك التى أنت فيها دون أن يرى غيرك ، رأيت شيطانا جلس عند رأسك يريد الشيطان أن يضلك عن كلمة الإخلاص" لا إله إلا الله "، يريد الشيطان أن يصدك عنها ، يقول لك : مت يهوديا فإنه خير الأديان ، يقول لك : مت نصرانيا فإنه خير الأديان .
واستدل أهل العلم على ذلك بصدر حديث صحيح رواه الإمام مسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إن الشيطان يحضر كل شئ لابن آدم ..)) .
بل وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه عن مسألة عرض الأديان على ابن آدم فى فراش الموت ، فقال فى مجموع الفتاوى : "من الناس من تعرض عليه الأديان ومنهم من لا يعرض عليه شئ قبل موته ، ثم قال : ولكنها من الفتن التى أمرنا النبى أن نستعيذ منها فى قوله - صلى الله عليه وسلم - :
(( اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب جهنم ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ))
فمن فتن الموت أن يأتيك الشيطان ليصدك عن لا إله إلا الله ، ليصدك عن كلمة التوحيد ، هذه من الكربات ، هذه من أشد السكرات على ابن آدم ولا حول ولا قوة إلا بالله .
هل علمت أخى فى الله أن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل حينما نام على فراش الموت ذهبت إليه الشياطين لتنادى عليه بهذه الكلمات ، قال عبد الله ولده : " حضرت وفاة أبى فنظرت إليه فإذا هو يغرق ثم يفيق ثم يشير بيده ويتكلم ويقول : لا بعد ..!! لا بعد ..!! .
فلما أفاق فى صحوة بين سكرات الموت وكرباته ، قال له ولده عبد الله يا أبتى ماذا تقول ؟! تقول لا بعد ، لا بعد ..!! ما هذا ؟!!
أتدرى ماذا قال إمام أهل السنة ؟؟
قال لولده : يا بنى شيطان جالس عند رأسى عاض على أنامله يقول لى: يا أحمد لو فتنى اليوم ما أدركتك بعد اليوم وأنا أقول له : لا بعد ، لا بعد حتى أموت على لا إله إلا الله .
فإذا كنت حقا من المؤمنين الصادقين .. من الموحدين المخلصين وجاءتك الشياطين ثبتك رب العالمين وأنزل إليك ملائكة التثبيت ، كما فى حديث البراء بن عازب الصحيح وسأذكر الحديث بتفصيله لاحقا إن شاء رب العالمين ، إلا أن محل الشاهد فيه الآن أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أخبر : (( أن المؤمن إذا نام على فراش الموت جاءته ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس ، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة فيجلسون من المؤمن مد البصر حتى يأتى ملك الموت فيجلس عند رأسه وينادى على روحه الطيبة وهو يقول : أيتها الروح الطيبة اخرجى حميدة وابشرى بروح وريحان ورب راض عنك غير غضبان ، فتخرج روح المؤمن سهلة سلسة كما يسيل الماء من فى السقاء فلا تدعها الملائكة فى يد ملك الموت طرفة عين ، ثم ترقى بها إلى الله جل وعلا .. )) "
كل هذا الكلام السابق ناتج من حكايات ترويها أحاديث تعارض القرآن فالمسلم لا يأتيه شيطان ويعرض عليه شىء وإنما الله يقول له كما قال:
" يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى"
والملائكة تستقبله فى السماء فتطلب منه دخول الجنة كما قال تعالى:
الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون"
وأما حديث نزول الملائكة الأرض السابق فيتناقض مع أن الملائكة لا تنزل الأرض لخوفها وهو عدم اطمئنانها كما قال تعالى :
"قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا"
ومن ثم كل ما بناه الخطيب باطل على تلك ألأحاديث التى لا تصح نسبتها للنبى(ص)
وتحدث عن التثبيت من خلال الآية الكريمة ولكن من خلال الأحاديث الكاذبة المناقضة فقال :
"هكذا أيها الأحبة ..
{يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء }
ولقد سجل الله هذه البشارة للموحدين فى قرآنه العظيم فقال تعالى:
{ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم }
وقال تعالى : { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة }
قال ابن عباس : القول الثابت هو لا إله إلا الله فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ."
الآية لا تتحدث عن الثبات عند الموت وإنما تتحدث عن الثبات فى الحياة الدنيا ككل وما يثبت المسلم هو اتباعه وهو طاعته لحكم الله ولا يوجد لفظ فيها بدل على الموت وأما الثبات فى الآخرة فمعناه أن المسلم يظل على إسلامه فلا يعارض أى شىء مما يصنعه الله كما يفعل الكفار عندما يكذبون على الله ويحلفون كذب كما فى القول " والله ربنا ما كنا مشركين" وكما يتمنون الافتداء من العذاب بدخول أهليهم النار كما قال تعالى:
" يبصرونهم يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التى تؤويه ومن فى الأرض جميعا ثم ينجيه"
وعاد للحديث عن السكرة فقال :
"{ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد }
والحق أنك تموت والله حى لا يموت ، الحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب .
{ وجاءت سكرة الموت بالحق }
الخطبة موضوعها الموت وقد حاولت الوصول لاسم الخطيب فلم أوفق ووجدت معظمها فى موقع اسمه على خطى الحبيب والناشر أبو عبد الرحمن والله أعلم بمن هو الخطيب وقد بدأت بمقدمة لم أحذفها ربما لأنى أعجبت بسجعها وهذه المقدمة منقولة من كتاب إحياء علوم الدين للغزالى وهى :
"الحمد لله الذى أنهى بالموت آمال القياصرة ، فنقلهم بالموت من القصور إلى القبور ، ومن ضياء المهود إلى ظلمات اللحود ومن ملاعبة الجوارى والنساء والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان ، ومن التنعم فى ألوان الطعام والشراب إلى التمرغ فى ألوان الوحل والتراب !!"
وحذفت بقية المقدمة التقليدية وقد استهلها الخطيب بتذكير الله لنبيه (ص) بكونه والخلق جميعا ميتون فقال :
"...اللهم صلى وسلم وزد وبارك عليه ، رفع الله له ذكره وشرح صدره وذكاه ربه على جميع خلقه ، ومع ذلك خاطبه ربه بقوله :
{ إنك ميت وإنهم ميتون } "
ثم تحدث عن الهدف من خلق الإنس والجن وهو عيادة الله فقال :
"أيها الخيار الكرام :
لقد بين الله جل وعلا لنا الغاية التى من أجلها خلقنا فقال سبحانه وتعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } .
بل وبين لنا حقيقة الدنيا التى جعلها محل اختبار لنا فقال سبحانه : { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور }
وأكد الحبيب المصطفى هذه الحقيقة فى حديثه الصحيح الذى رواه الترمذى من حديث سهل بن سعد الساعدى رضى الله عنه قال صلى الله عليه وسلم (( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ))
فالدنيا حقيرة عند الله أعطاها للمؤمن والكافر على السواء ، فلو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا قط شربة ماء واحدة ،"
والخطأ وصف الدنيا بالحقارة والحديث الذى بنى عليه ذلك مخالف لكتاب الله فالله لا يصف خلقه بذلك لأنه أحسن الخلق فقال :
"الذى أحسن كل شىء خلقه"
ووصف الله بعضها بالطيبات فقال :
" قل من حرم زينة التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق"
وأما أن مخلوق يعدل أو لا يعدل عند الله شىء فهذا يتناقض مع أنه غنى عن الكل ومن ثم كل الخلق لا يمثلون عنده شىء
وتحدث عن عدم الركون للدنيا فقال :
"لذا كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يوصى أحبابه بعدم الركون والطمأنينة إلى هذه الدار الفانية لا محالة ، كما أوصى بذلك عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كما فى صحيح البخارى :
(( كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل )) ، وكان ابن عمر يقول: " إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك " .
ورحم الله من قال :
إن لله عبادا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحى وطنا
جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
فالفطناء العقلاء هم الذين عرفوا حقيقة الدار ، فحرثوها وزرعوها ... وفى الآخرة حصدوها ."
وتحدث عن أن الوحى ذم الدنيا فقال :
"فالذم الوارد فى القرآن والسنة للدنيا لا يرجع إلى زمانها من ليل ونهار فلقد جعل الله الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ، والذم الوارد للدنيا فى الكتاب والسنة لا يرجع إلى مكانها ألا وهو الأرض ، إذ أن الله قد جعل الأرض لبنى آدم سكنا ومستقرا .
والذم الوارد فى القرآن والسنة لا يرجع إلى ما أودعها الله عز وجل من خيرات ، فهذه الخيرات نعم الله على عباده وجميع خلقه .
إنما الذم الوارد فى القرآن والسنة يرجع إلى كل معصية ترتكب فى حق ربنا جل وعلا ."
والرجل هنا يناقض نفسه فالله لم يذم الدنيا أبدا وإنما ذم من يرتكبون المعاصى فيها كما قال الرجل فى أخر الفقرة وكل ألأقول " إنما الدنيا بعب ولهو " إنما هى تعبير عن وجهة نظر الكفار لأن الله حكم بأنه خلق الكون الحالى وهو الدنيا للحق فقال:
" وما خلقنا والسموات والأرض وما بينهما إلا بالحق"
وحاول الرجل أن يقرر السابق فقال :
"إذا لابد وحتما من تأصيل هذا الفهم الدقيق لا سيما لإخواننا الدعاة وطلاب العلم الذين ربما يغيب عن أذهانهم حقيقة الزهد فى هذه الحياة الدنيا ، فنحن لا نريد أن نقنت أحدا من هذه الدنيا ، ولا نريد أن نثبت لعامل فى هذه الدنيا ولو كان فى الحلال أنه قد تجاوز عن طريق الأنبياء والصالحين والأولياء ... كلا ..!كلا ..!!
بل الدنيا مزرعة للآخرة .
تدبر معى قول على وهو يقول :
" الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار نجاة لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن أخذ منها ، الدنيا مهبط وحى الأنبياء ومصلى أنبياء الله ومتجر أولياء الله ".
فالدنيا مزرعة للآخرة فتدبر معى هذا الحديث الصحيح الذى رواه البخارى ومسلم من حديث أنس قال النبى - صلى الله عليه وسلم - :
(( ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة ))
إذا لابد من هذا التأصيل والفهم العميق لحقيقة الدنيا ، لننطلق من هذه الدار الفانية إلى دار تجمع بين سلامة الأبدان والأديان .. دار القرار .
فلابد قبل العبور إلى دار القرار من المرور من دار الفناء ، فالدنيا دار ممر والآخرة هى دار المقر ، الدنيا مركب عبور لا منزل حبور ، الدنيا دار فناء لا دار بقاء ، لابد من وعى هذه الحقيقة التى لا مراء فيها ، لنزرع هنا بذورا ، لنجنى هنالك ثمارا .
فاعلم أيها الحبيب هذه الحقائق جيدا ، وكن على يقين جازم بأن الحياة فى هذا الدنيا موقوتة محدودة بأجل ، ثم تأتى نهايتها حتما لابد ، فيموت الصالحون .. ويموت الطالحون .. يموت المجاهدون .. ويموت القاعدون .. يموت المستعلون بالعقيدة .. ويموت المستذلون للعبيد .. يموت الشرفاء الذين يأبون الضيم ويكرهون الذل ، والجبناء الحريصون على الحياة بأى ثمن .."
إذا الدنيا ليست مذمومة وإنما هى دار اختبار أى ممر والمذموم هو من عصى الله فيها
وتحدث عن حقيقة ثابتة لا يمكن لأحد أن يجادل فيها وهى موت الخلق فقال :
" الكل يموت
قال الله جل وعلا :
{ كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } .
فلابد أن تستقر هذه الحقيقة فى القلب والعقل معا ، إنها الحقيقة التى تعلن بوضوح تام على مدى الزمان والمكان فى أذن كل سامع وعقل كل مفكر أنه لا بقاء إلا للملك الحى الذى لا يموت ، إنها الحقيقة التى تصبغ الحياة البشرية كلها بصبغة العبودية والذل لقاهر السموات والأرض !!
إنها الحقيقة التى شرب كأسها تباعا الأنبياء والمرسلون بل والعصاة والطائعون !!
إنها الحقيقة التى تذكرنا كل لحظة من لحظات الزمن بقول الحى الذى لا يموت : { لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه }
أيها الحبيب تذكر هذه الحقيقة ولا تتغافل عنها إذ أن النبى أمرنا أن نكثر من ذكرها كما فى الحديث الصحيح الذى رواه الترمذى والنسائى والبيهقى والحاكم وغيرهم من حديث ابن عمر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال :
(( أكثروا من ذكر هادم اللذات ( الموت ) )) "
والخطأ فى الحديث هو الأمر بالإكثار من ذكر الموت ويتعارض هذا مع أن الله نهى الرسول عن الحزن فقال فى أكثر من سورة "ولا تحزن "وذكر هازم اللذات جالب للحزن وهذا يعنى وجوب نسيانه
وتحدث عما سماه سكرات الموت فقال :
"إنها الحقيقة التى سماها الله فى قرآنه بالحق فقال جل وعلا : { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } [
لا إله إلا الله ... الله أكبر ... الله أكبر
إن للموت لسكرات ... هل علمت إن هذه الكلمات قالها حبيب رب الأرض والسموات وهو يحتضر على فراش الموت ؟
روى البخارى عن عائشة رضى الله عنها قالت : مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين حاقنتى وذاقنتى وكان بين يديه ركوة ( علبة ) بها ماء فكان يمد يده فى داخل الماء ويمسح وجهه بأبى هو وأمى ويقول :
(( لا إله إلا الله إن للموت لسكرات ))
هكذا يقول حبيب رب الأرض والسموات إن للموت لسكرات !! حبيب الرحمن يذوق سكرة الموت ، فما بالنا نحن ؟!!
وفى رواية الترمذى كان الحبيب - صلى الله عليه وسلم - يقول :
(( إن للموت لسكرات وإن للموت لغمرات )) .
وفى رواية كان - صلى الله عليه وسلم - يدعوا الله ويقول :
(( اللهم أعنى على سكرات الموت )) .
{ وجاءت سكرة الموت بالحق } "
الغريب فيما سبق من أحاديث هو تحدث القرآن عن سكرة واحدة للموت والأحاديث تتحدث عن سكرات ومن المعروف أن الإنسان يموت مرة واحدة ولكنه لو مات مرات متعددة لوجب أن تكون سكرات ولكنها سكرة واحدة
وكالعادة لابد أن يستعين الخطباء بحكايات لا أصل لها وهنا استعان بما لم يرد فى الوحى فقال :
"وما أدراك ما السكرات ..! وما أدراك ما الكربات ..! فى هذه اللحظات يزداد الهم والكرب ، فى لحظات السكرات إذا نمت يا ابن آدم على فراش الموت ورأيت فى غرفتك التى أنت فيها دون أن يرى غيرك ، رأيت شيطانا جلس عند رأسك يريد الشيطان أن يضلك عن كلمة الإخلاص" لا إله إلا الله "، يريد الشيطان أن يصدك عنها ، يقول لك : مت يهوديا فإنه خير الأديان ، يقول لك : مت نصرانيا فإنه خير الأديان .
واستدل أهل العلم على ذلك بصدر حديث صحيح رواه الإمام مسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إن الشيطان يحضر كل شئ لابن آدم ..)) .
بل وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه عن مسألة عرض الأديان على ابن آدم فى فراش الموت ، فقال فى مجموع الفتاوى : "من الناس من تعرض عليه الأديان ومنهم من لا يعرض عليه شئ قبل موته ، ثم قال : ولكنها من الفتن التى أمرنا النبى أن نستعيذ منها فى قوله - صلى الله عليه وسلم - :
(( اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب جهنم ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ))
فمن فتن الموت أن يأتيك الشيطان ليصدك عن لا إله إلا الله ، ليصدك عن كلمة التوحيد ، هذه من الكربات ، هذه من أشد السكرات على ابن آدم ولا حول ولا قوة إلا بالله .
هل علمت أخى فى الله أن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل حينما نام على فراش الموت ذهبت إليه الشياطين لتنادى عليه بهذه الكلمات ، قال عبد الله ولده : " حضرت وفاة أبى فنظرت إليه فإذا هو يغرق ثم يفيق ثم يشير بيده ويتكلم ويقول : لا بعد ..!! لا بعد ..!! .
فلما أفاق فى صحوة بين سكرات الموت وكرباته ، قال له ولده عبد الله يا أبتى ماذا تقول ؟! تقول لا بعد ، لا بعد ..!! ما هذا ؟!!
أتدرى ماذا قال إمام أهل السنة ؟؟
قال لولده : يا بنى شيطان جالس عند رأسى عاض على أنامله يقول لى: يا أحمد لو فتنى اليوم ما أدركتك بعد اليوم وأنا أقول له : لا بعد ، لا بعد حتى أموت على لا إله إلا الله .
فإذا كنت حقا من المؤمنين الصادقين .. من الموحدين المخلصين وجاءتك الشياطين ثبتك رب العالمين وأنزل إليك ملائكة التثبيت ، كما فى حديث البراء بن عازب الصحيح وسأذكر الحديث بتفصيله لاحقا إن شاء رب العالمين ، إلا أن محل الشاهد فيه الآن أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أخبر : (( أن المؤمن إذا نام على فراش الموت جاءته ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس ، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة فيجلسون من المؤمن مد البصر حتى يأتى ملك الموت فيجلس عند رأسه وينادى على روحه الطيبة وهو يقول : أيتها الروح الطيبة اخرجى حميدة وابشرى بروح وريحان ورب راض عنك غير غضبان ، فتخرج روح المؤمن سهلة سلسة كما يسيل الماء من فى السقاء فلا تدعها الملائكة فى يد ملك الموت طرفة عين ، ثم ترقى بها إلى الله جل وعلا .. )) "
كل هذا الكلام السابق ناتج من حكايات ترويها أحاديث تعارض القرآن فالمسلم لا يأتيه شيطان ويعرض عليه شىء وإنما الله يقول له كما قال:
" يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى"
والملائكة تستقبله فى السماء فتطلب منه دخول الجنة كما قال تعالى:
الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون"
وأما حديث نزول الملائكة الأرض السابق فيتناقض مع أن الملائكة لا تنزل الأرض لخوفها وهو عدم اطمئنانها كما قال تعالى :
"قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا"
ومن ثم كل ما بناه الخطيب باطل على تلك ألأحاديث التى لا تصح نسبتها للنبى(ص)
وتحدث عن التثبيت من خلال الآية الكريمة ولكن من خلال الأحاديث الكاذبة المناقضة فقال :
"هكذا أيها الأحبة ..
{يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء }
ولقد سجل الله هذه البشارة للموحدين فى قرآنه العظيم فقال تعالى:
{ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم }
وقال تعالى : { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة }
قال ابن عباس : القول الثابت هو لا إله إلا الله فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ."
الآية لا تتحدث عن الثبات عند الموت وإنما تتحدث عن الثبات فى الحياة الدنيا ككل وما يثبت المسلم هو اتباعه وهو طاعته لحكم الله ولا يوجد لفظ فيها بدل على الموت وأما الثبات فى الآخرة فمعناه أن المسلم يظل على إسلامه فلا يعارض أى شىء مما يصنعه الله كما يفعل الكفار عندما يكذبون على الله ويحلفون كذب كما فى القول " والله ربنا ما كنا مشركين" وكما يتمنون الافتداء من العذاب بدخول أهليهم النار كما قال تعالى:
" يبصرونهم يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التى تؤويه ومن فى الأرض جميعا ثم ينجيه"
وعاد للحديث عن السكرة فقال :
"{ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد }
والحق أنك تموت والله حى لا يموت ، الحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب .
{ وجاءت سكرة الموت بالحق }