- إنضم
- 14/7/21
- المشاركات
- 2,589
- مستوى التفاعل
- 26
- النقاط
- 48
- الجنس
- ذكر
غير متصل
نقد كتاب العزائم والرخص
نقد كتاب العزائم والرخص
المؤلف عبد العزيز الطريفي وهو يدور حول أن العزائم والرخص مرتبطة بالوحى وليس بفتاوى العلماء وقد تحدث عن يسر الدين فقال :
"أما بعد فإن الله قد جعل هذا الدين دين يسر وسهولة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) وقد جاء في ذلك من الآيات ومن الأحاديث عن رسول الله (ص)شيء كثير جدا
ويكفي أن الأصل المتقرر أن الله ما جاء بهذا الدين وأنزل كتابه العظيم على نبينا محمد (ص)وجعل الأوامر والنواهي إلا رحمة بالناس وشفقة عليهم ..ومن نظر إلى الآيات من كلام الله وكلام رسول الله (ص)في هذا الباب وجد شيئا كثيرا مما لا يمكن للإنسان أن يحصيه في كتاب
ومن ذلك ما قاله الله في كتابه العظيم: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " وقول الله جل وعلا: وما جعل عليكم في الدين من حرج "وما جاء عن رسول الله (ص)من أحاديث كثيرة منها ما رواه البخاري من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله (ص)قال: (إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)
ومن ذلك أيضا ما رواه الإمام مسلم أن رسول الله (ص)قال: (إن الله لم يبعثني معنتا ولا متنعتا وإنما بعثني ميسرا) وكذلك ما رواه الإمام مسلم: (أن خذوا برخصة الله التي رخص لكم)
وكذلك ما رواه الإمام أحمد وفيه: (إن خير دينكم أيسره) وذلك لرجوعه إلى الأصل العظيم وهو اليسر وعليه بنيت الشريعة وإليه مآل سائر الأحكام وإن خالف في ذلك بعض أصحاب الأضواء وأصحاب النظر البعيد عن الشرع باتهام تكاليف الشرعية بأنها شاقة ويكفي في ذلك قول الله سبحانه وتعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها "
والحقيقة أن الدين يسر بمعنى أن الله للذكر وهو طاعة أحكام الله وأنه طريق لليسر وهو طريق التوبة التى تعنى دخول الجنة وفى هذا قال تعالى :
"والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما"
وأما أن الله شرع ما لا يتعب الناس فهو يتعارض مع إباحة قتال المعتدين وإباحة قطع النبات فى الحرب ويتعارض مع وجوب الزواج وتحريم الزنى فالزنى سهل لا يتطلب مالا بينما الزواج يتطلب مال يتعب الذكر فى جمعه ويتعارض مع وجول صوم رمضان ومما لاشك فيه أن المسلم يتعب من الجوع والعطش وعدم جماع الزوجة
إذا الشرع يسر بمعنى أنه طريق دخول الجنة بالطاعات والتوبة من المعاصى
وتحدث الطريفى عن كمال الشرع فقال :
"شريعة الله جاءت كاملة متكاملة لا نقصان فيها كاملة من جميع الوجوه باشتمالها على سائر الأحكام الشرعية من غير نقصان ...
شريعة الله أصلها التيسير ولما كان الإنسان هو الذي ينظر إلى التكاليف وإليه مرد المشقة والتيسير كان الإسلام دين الفطرة وهي التي فطر الله عز وجل الناس عليها كما قال الله جل وعلا: فطرة الله التي فطر الناس عليها وكما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) وهذا أصل التسهيل والتيسير في دين الله وذلك أن فطرة الله التي فطر الناس عليها موافقة للنصوص وهذا أعظم التيسير أن يأتي التكليف موافقا لرغبة الإنسان وفطرته فلا يكون فيه كلفة وهذا معلوم ملموس الحكمة من التشديد في المنهيات أكثر من المأمورات في الشريعة"
والحديث الذى استشهد به الطريفى باطل لتعارضه مع كتاب الله فالله لا يخلق الناس على الإسلام وإنما يخلقه بدون أى علم بالإسلام أو بالكفر كما قال تعالى :
"والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا"
ولو خلقنا مسلمين فهذا اجبار نفاه وهو يتناقض مع تخييره لنا بين الكفر والإسلام فى قوله :
" فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"
وتحدث عن انقسام الشرع عن أوامر ونواهى فقال :
"من نظر إلى الشريعة الإسلامية من جهة الإجمال وجد أن الشريعة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مأمورات
والقسم الثاني: منهيات ويدخل في المأمورات ما كان على وجه الإلزام والتأكيد وما هو دون ذلك وكذلك المنهيات، يدخل فيها ما كان على سبيل الإلزام والتأكيد وما هو دون ذلك
ويخرج من هذا -على قول بعضهم- الأصل وهو ما كان أصله الإباحة فهذان الأصلان: المنهيات والمأمورات من نظر فيهما وجد أن عليهما تدور أحكام الشرع ...وهذا ظاهر فإن من نظر إلى الآي من كلام الله وكلام رسول الله (ص)وجد هذا ظاهرا
لهذا يقول النبي (ص): (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) فأكد على الاجتناب وعلق الأمر بالاستطاعة في الأمر لأن الأمر في قوله (ص): (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) يقتضي كلفة ومشقة فضلا عن الأصل الذي خلق عليه الإنسان وهو العجز
وأما النهي فإنه يجب على الإنسان أن ينتهي عنه جملة لأن الأصل في حاله العجز فكانت المنهيات في الشرع آكد وأشد تأكيدا من المأمورات وعليه يقال: إنه ينبغي للعالم والمفتي أن يؤكد في جانب المنهيات أعظم وأشد من المأمورات وذلك لأن الغالب أن المأمورات تتعلق بها المصلحة الأخروية وإن وجد شيء كثير مما يخالف هذا وأما المنهيات فتتعلق بها المصلحتان: المصلحة الدنيوية والأخروية وهذا ظاهر ..ولذلك وجب على المفتي والعالم ومن أراد أن يتفقه في دين الله: الاحتراز في الفتوى من القول على الله عز وجل بلا علم لأنه موقع عن الله وموقع عن رب العالمين وكأنه قد نصب نفسه مقام المشرع (ص) فكان مقامه من أعظم المقامات وأشدها في الدين فوجب عليه الاحتراز"
والكلام السابق الكثير منه صحيح عدا :
أولا أن الأصل فى الأشياء الإباحة وهو ما يتعارض مع أشهر جملة وهى لا إله إلا الله فهى تتضمن نهيا وأمرا نهيا عن عبادة غير الله وأمرا بعبادة الله وأول حكم للبشر فى قصة آدم كان يتضمن أمرا ونهيا معا وهو الأكل من كل الأشجار عدا شجر واحدة نهى عنه كما قال تعالى :
"وقلنا لآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين"
ثانيا أن المشرع هو الرسول(ص) والمشره هو الله كما قال تعالى :
"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك "
وتحدث عن أخذ العلم ممن قب من زمان الوحى فقال :
" أهمية أخذ العلم ممن قرب من فترة الوحي:
لهذا كان المرد والمآل في سائر النصوص إلى كلام الله وكلام رسول الله (ص)لا إلى كلام غيره وقد كان السلف يشددون في النقل عن غير الصحابة عليهم فيأمرون بالأخذ بكلام الله وكلام رسول الله (ص)وكلام الصحابة عليهم ويحذرون عن الأخذ عمن دونهم وذلك أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ عمن قرب من الوحي
لهذا قال الإمام أحمد -وكذلك قال الأوزاعي- قال: العلم كلام الله وكلام رسول الله (ص)قال: واكتبوا قول الصحابة ونهى عن كتابة قول التابعين وذلك أن الخطأ والوهم والغلط يقع فيهم أكثر من الصحابة وكلما تباعد الناس عن الوحي كلما وقعوا في الوهم والغلط ولهذا كلما جاء قرن بعد قرن أمروا بأن يكتبوا عمن كان قبلهم ولا يكتبوا عمن كان في عصرهم لأنه كلما تأخر الناس زمنا كثر الفساد في الأرض وكثر القول على الله عز وجل بلا علم فوقعوا في الخطأ والزلل وفيما يخالف أمر الله عز وجل ويخالف نهيه
ولهذا كان ابن شهاب الزهري -وهو من متأخري التابعين- يكتب أقوال الصحابة ويترك أقوال التابعين وخالفه صالح بن كيسان في ذلك فكان يكتب أقوال الصحابة ويكتب أقوال التابعين فلما كان في القرن السابع كما يقول الحافظ ابن رجب تعالى: كان متحتما على من رام علما أن يكتب أقوال الصحابة وأقوال التابعين وأتباعهم وأقوال الأئمة كالإمام أحمد و الشافعي و إسحاق و أبي عدي وغيرهم
وهؤلاء بأقوالهم يتبين للإنسان معرفة الحق والصواب من الباطل والخطأ وذلك أنه بأقوال هؤلاء الأئمة يعرف الأدلة لأنهم أصحاب نور وهداية وتمسك بالوحي لهذا كان العلماء يجعلون من شروط المفتي أن يكون عارفا عالما بالخلاف عالما بأقوال العلماء على تباين أحوالهم وقد جعل هذا شرطا في المفتي غير واحد من الأئمة كالإمام أحمد وكذلك ابن مهدي و ابن المبارك و الخطيب وغيرهم من الأئمة قالوا: إنه لا يتأهل المفتي للفتوى حتى يكون عالما بأقوال الناس وقد سئل الإمام أحمد عمن لديه السنة عن رسول الله (ص)ولكنه لا يعرف الصحيح من الضعيف ولا يعلم أقوال الناس هل يفتي؟فقال: لا، وإنما يسأل أهل العلم وكأنه ما جعله من أهل العلم حتى يعرف الصحيح من الضعيف من هذه السنة وكذلك يميز بين أقوال العلماء المتشدد منهم والمتساهل"
وحديث الطريفى متناقض فهو يرد ألأمر للنصوص فى قوله" المرد والمآل في سائر النصوص إلى كلام الله" ومع هذا بطالبنا أن ،اخذ بكلام القريبين زمنيا من الوحى فيقول" وذلك أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ عمن قرب من الوحي"
وهو ما يتعارض مع وجوب الرد إلى الله وحده كما قال تعالى :
"وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله"
وتحدث عن أسباب الزلل فى الفتوى فقال :
"أسباب الزلل في الفتوى وأخذها:
وكثير من الناس يقع في الوهم والزلل وعدم الإدراك للصواب فيأخذ بطرق يظن أنه على الحق فيها والزلل الذي يقع عند المفتين وكذلك من ينصب نفسه مكان المشرع ويفتي في شرع الله بأقوال عباده ويتنكب الدليل والمزالق في ذلك كثيرة لكن ليست كلها بسبب سوء النية أو التعدي على الشرع أو النظر في الترخص والمباحات، لا ولكنه يكون بعضها بالجهل وعدم الاحتراز لجناب الشريعة والعناية بالدليل فإن أعظم المزالق التي ينزلق فيها كثير ممن يقول بخلاف الحق ويتنكب الدليل هي لعدم معرفته بالصحيح من الضعيف من السنة ومن كانت حاله هذه فليس أهلا للفتيا حتى يميز صحيح الأثر من ضعيفه
وقد نص على هذا غير واحد بل حكموا بأن من كان حاله على هذه الحال أنه لا يجوز له أن يفتي ويجب عليه أن يسأل أهل العلم العارفين بالصحيح من الضعيف من كلام رسول الله (ص)وقد نص على هذا عبد الرحمن بن مهدي وكذلك الإمام أحمد و ابن المبارك و الخطيب البغدادي وكذلك ابن القيم وكذلك الإمام الشافعي في مواضع من مصنفاتهم عليهم رحمة الله أنه إذا كان العالم لا يملك آلة التصحيح والتضعيف ولا يميز الصحيح من ضعيفه فهذا ليس أهلا للفتيا وهو داخل في دائرة العوام من جهة التقليد وهو مقلد لا غير
وكذلك أيضا من المزالق التي تجعل القول الشاذ يرويه كثير من الناس أو العامة عدم العناية بالقول الصحيح لأن طالب العالم حال طلبه للعلم يحاول التماس الراجح من أقوال الفقهاء فيحفظ المصنفات من المتون الفقهية ويكون أول ما يصل إليه الترجيح على قول فلان أو الترجيح على قول فلان من غير التماس للدليل فيأخذ بقول العالم الفلاني لأنه قد حفظ متنه الفقهي فحال سؤاله عن مسألة من المسائل يتبادر إلى ذهنه أول ما وصل إليه من الأقوال
وهذا من أسباب نشوء الخلاف وكذلك عدم التوسع في معرفة الخلاف فإذا كان طالب العلم يحفظ متونا فقهية وهي أول ما وصلت إليه ولم يسبق ذلك بحفظ الدليل عن رسول الله (ص)فإنه عند سؤاله يبادر إلى ما حفظه من أقوال العلماء من غير نظر للدليل فإذا علم أن أحدا خالفه شدد عليه وظن أنه قد خالف الحق وهو ما عرف إلا ذلك المتن الذي قد حفظه
وكذلك أيضا من مواضع الزلل عند المفتي في مخالفة النص أن المفتي ربما يجهل حال البلد الذي استفتي منه وربما تكون حال ذلك البلد تختلف عن حال البلد الذي هو فيه وبتلك الحال ربما يختلف الحكم الشرعي لأن الشرع قد علق الأمر بعلة شرعية إن وجدت وجد هذا الحكم الشرعي فلما كان البلد قد تغير فإنه ينتفي هذا الحكم وينقل إلى حكم آخر لأنه معلق بعلة والحكم يدور مع العلة وجودا وعدما"
وهذا الحديث عن أسباب الزلل هو بعيد عن الحقيقة فى كثير منه فمرد الزلل وهو الخطأ إلى ثلاث :
الأول اتباع الهوى
الثانى عدم الفهم سواء للقضية أو للنص
الثالث الإكراه سواء كان خوفا من الحاكم أو من الناس
وذكر أمثلة عن سبب من اختلاف الفتاوى بسبب اختلاف البلد والعادات فقال:
"والأمثلة على ذلك كثيرة فربما سئل مفت من المفتين عن مسألة خضاب الرجل وهل يجوز أم لا؟ فربما أفتى بأنه لا يجوز لأنه تشبه بالنساء لأن النساء في بلده يخضبن والرجال لا يخضبون، ولكن في كثير من البلدان الإسلامية ربما الرجال يخضبون أكثر من النساء فإذا كان العالم يعلم حال ذلك البلد التي قد استفتي فيها فإنه يكون على بينة ولا يحدث قولا يحمل على الشرع فيخالف الأصل الذي قدره الشارع وهو تعليق الأمر على تلك العلة التي علق الشارع الأمر بها
ومن ذلك أيضا ما يتعلق بلباس الناس من جهة التشبه ومن جهة الألوان فربما يسأل العالم عن لباس المرأة ولون لباسها ونحو ذلك كأن تكون المرأة تخرج بعباءة خضراء أو عباءة صفراء أو عباءة بيضاء ونحو ذلك فيقول بعدم الجواز ولا يعلم حال المستفتي ولا حال بلده
وذلك لقوله أن الرجال يلبسون البياض وأن النساء قد اختصصن بالمباينة وحال ذلك البلد أن الرجال والنساء لا يفرق بينهم من جهة لون اللباس والواجب الستر فحينئذ يقال: إن الشارع لم يخصص لونا بعينه ولكنه إذا وجد في بلد أن الرجال قد امتازوا بلون والنساء قد امتزن بلون فإنه يحرم على النساء أن يلبسن ألوان الرجال ثم يفتي بأنه يحرم على المرأة أن تلبس اللباس الأبيض لأنه من اختصاص الرجال في بلده
وأما البلد الآخر الذي منه المستفتي فيجاب بحسب معرفة الحال لهذا يقول ابن تيمية : وإنما وقع الخلاف في الشرع ومنهم من يعلم الدليل من الكتاب والسنة ويجهل السياسة الشرعية ومنهم من يعلم السياسة الشرعية ويجهل الأدلة من الكتاب والسنة "
والحقيقة أن الفتاوى لا تقوم على اختلاف البلاد أو اختلاف عادات الناس فالفتوى واحدة فى أى مكان إلا ما نص الله عليه من الوجود فى بلاد الكفر حيث يجب اخفاء مظاهر الإسلام كالصلاة علنا وأيضا الفتاوى الخاصة بالحج فى مكة
وأما العادات فأحكام الله فيها واحدة ولو قلنا حكم الله فى الخضاب وهو تغيير خلقة الله بلون ما فهو الحرمة لأنه استجابة لقول الشيطان:
" ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"
ومن ثم لا يتعلق الحكم باختلاف البلد
وأما حكم ألوان الملابس فالله تركه مفتوحا فلم يذكر لونا ولم يذكر مادة صناعته ومن ثم كل الألوان مباحة لأن حكم الله فى اللبس فى الأماكن العامة وأمام الأجانب المحرم النظر عليهم فهو مواراة أى اخفاء العورة كما قال :
"يوارى سوءاتكم"
وتحدث عن واجبات المفتى فقال :
"ما يجب على من تصدر للفتوى
ولهذا الواجب على المفتي أن يكون فاهما والفهم على نوعين كما قال غير واحد من العلماء أن يكون فاهما للدليل وأن يكون فاهما لحال المستفتي وهذا قد نص عليه الأئمة في قرون طويلة وقد ذكر الإمام أحمد بن حنبل أن المفتي لا يمكن أن يؤهل للفتوى حتى يكون فيه خمس خصال:
الخصلة الأولى: أن يكون صاحب نية وورع فإنه إن كان فيه نية كان في وجهه نور وإن كان في وجهه نور كان على كلامه نور
الخصلة الثانية: أن يكون صاحب علم وحلم ووقار وسكينة
الصفة الثالثة: أن يكون قويا وقادرا فيما هو فيه
الصفة الرابعة: أن يكون صاحب كفاية وإلا مضغه الناس
الصفة الخامسة: أن يكون عالما وعارفا بأحوال الناس خاصة فيما يتعلق بالأحكام الشرعية التي هي منوطة بعلل ولم يعلقها الشارع بحكم شرعي بائن لازم على كل حال فإنه تتباين الأحكام الشرعية من حال إلى حال ...وشريعة الله مآلها ومردها إلى الكتاب والسنة وليس إلى قول فلان من الناس ومن نظر إلى حالنا في هذا العصر وجد أننا أحوج ما نكون إلى إعادة الناس إلى الكتاب والسنة والنهل من فقه السلف من الصحابة والتابعين بعيدا عن التمسك بأقوال الفقهاء من البلد الفلاني والبلد الفلاني ومن نظر إلى العلماء الذين تكلموا في المقاصد الشرعية كالإمام الشاطبي وجد من تتبع شواذ أهل العلم ورخصهم قد خرج عن الإسلام
ويقول سليمان التيمي: من أخذ بأقوال العلماء التي قد خالفوا فيها الدليل وأخذ من كل عالم ما وافقه فقد اجتمع فيه الشر كله أي أنه قد قلب الأصول الشرعية"
والمفتى الشرط الواجب توافره فيه هو العلم لأن بقية الصفات متوافرة فيه بصقته مسلم كبقية المسلمين وأما حكاية نور الوجه فهذا تخريف فالنور والظلام ناتج من لون الجلد ومن ثم يفتى الرجل بعلمه المأخوذ من نصوص الوحى هذا هو الشرط الوحيد
وتحدث عن أصول الفتوى فقال :
" الأصول الشرعية في الفتوى وأخذها
الأصل الأول أن الشرع هو الحاكم والهوى محكوم ولكن هذا قد قلب هذه السنة وهذا الأصل فجعل الهوى حاكما والشريعة محكومة وما التمس الدليل وإنما أخذ الأيسر
الأصل الثاني: أن وجود أقوال العلماء في مسألة من المسائل لا يعني منه وجود دليل لهذا القول وأنه يسوغ للإنسان أن يأخذ به فربما أفتى هذا العالم في مسألة برأيه لأنه لا يعلم حديثا في المسألة فإذا علم الدليل خالف قوله ...لهذا يقال: إنه ينبغي أن يعلم أن العلماء حينما يقولون بقول من الأقوال فلا يعني أنهم على دليل وإنما هو اجتهاد فقد يكون بنوه على أصل لعدم معرفة الدليل
الأصل الثالث: أن الإحاطة بمعرفة الأدلة من الكتاب والسنة وإدراك أحكام الشريعة ليست لأحد وأنه ما من أحد إلا ويند عنه من أحكام الشريعة ما يند ولهذا الصحابة عليهم قد وجد فيهم من خالف الدليل صراحة لأنه لم يبلغه الدليل وإنما أخذ بالأصل فإذا جاز هذا للصحابة عليهم وهم أشد الناس احترازا فهو لمن بعدهم من التابعين ومن جاء بعدهم أجوز ولا يعلم أحد من الصحابة ولا من غيرهم من التابعين ومن أتباع التابعين وأئمة الإسلام إلا وله قول في مخالفة الدليل صراحة ويقع منه الوهم والغلط في ذلك واجتهاده مأخوذ
المؤلف عبد العزيز الطريفي وهو يدور حول أن العزائم والرخص مرتبطة بالوحى وليس بفتاوى العلماء وقد تحدث عن يسر الدين فقال :
"أما بعد فإن الله قد جعل هذا الدين دين يسر وسهولة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) وقد جاء في ذلك من الآيات ومن الأحاديث عن رسول الله (ص)شيء كثير جدا
ويكفي أن الأصل المتقرر أن الله ما جاء بهذا الدين وأنزل كتابه العظيم على نبينا محمد (ص)وجعل الأوامر والنواهي إلا رحمة بالناس وشفقة عليهم ..ومن نظر إلى الآيات من كلام الله وكلام رسول الله (ص)في هذا الباب وجد شيئا كثيرا مما لا يمكن للإنسان أن يحصيه في كتاب
ومن ذلك ما قاله الله في كتابه العظيم: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " وقول الله جل وعلا: وما جعل عليكم في الدين من حرج "وما جاء عن رسول الله (ص)من أحاديث كثيرة منها ما رواه البخاري من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله (ص)قال: (إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)
ومن ذلك أيضا ما رواه الإمام مسلم أن رسول الله (ص)قال: (إن الله لم يبعثني معنتا ولا متنعتا وإنما بعثني ميسرا) وكذلك ما رواه الإمام مسلم: (أن خذوا برخصة الله التي رخص لكم)
وكذلك ما رواه الإمام أحمد وفيه: (إن خير دينكم أيسره) وذلك لرجوعه إلى الأصل العظيم وهو اليسر وعليه بنيت الشريعة وإليه مآل سائر الأحكام وإن خالف في ذلك بعض أصحاب الأضواء وأصحاب النظر البعيد عن الشرع باتهام تكاليف الشرعية بأنها شاقة ويكفي في ذلك قول الله سبحانه وتعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها "
والحقيقة أن الدين يسر بمعنى أن الله للذكر وهو طاعة أحكام الله وأنه طريق لليسر وهو طريق التوبة التى تعنى دخول الجنة وفى هذا قال تعالى :
"والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما"
وأما أن الله شرع ما لا يتعب الناس فهو يتعارض مع إباحة قتال المعتدين وإباحة قطع النبات فى الحرب ويتعارض مع وجوب الزواج وتحريم الزنى فالزنى سهل لا يتطلب مالا بينما الزواج يتطلب مال يتعب الذكر فى جمعه ويتعارض مع وجول صوم رمضان ومما لاشك فيه أن المسلم يتعب من الجوع والعطش وعدم جماع الزوجة
إذا الشرع يسر بمعنى أنه طريق دخول الجنة بالطاعات والتوبة من المعاصى
وتحدث الطريفى عن كمال الشرع فقال :
"شريعة الله جاءت كاملة متكاملة لا نقصان فيها كاملة من جميع الوجوه باشتمالها على سائر الأحكام الشرعية من غير نقصان ...
شريعة الله أصلها التيسير ولما كان الإنسان هو الذي ينظر إلى التكاليف وإليه مرد المشقة والتيسير كان الإسلام دين الفطرة وهي التي فطر الله عز وجل الناس عليها كما قال الله جل وعلا: فطرة الله التي فطر الناس عليها وكما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) وهذا أصل التسهيل والتيسير في دين الله وذلك أن فطرة الله التي فطر الناس عليها موافقة للنصوص وهذا أعظم التيسير أن يأتي التكليف موافقا لرغبة الإنسان وفطرته فلا يكون فيه كلفة وهذا معلوم ملموس الحكمة من التشديد في المنهيات أكثر من المأمورات في الشريعة"
والحديث الذى استشهد به الطريفى باطل لتعارضه مع كتاب الله فالله لا يخلق الناس على الإسلام وإنما يخلقه بدون أى علم بالإسلام أو بالكفر كما قال تعالى :
"والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا"
ولو خلقنا مسلمين فهذا اجبار نفاه وهو يتناقض مع تخييره لنا بين الكفر والإسلام فى قوله :
" فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"
وتحدث عن انقسام الشرع عن أوامر ونواهى فقال :
"من نظر إلى الشريعة الإسلامية من جهة الإجمال وجد أن الشريعة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مأمورات
والقسم الثاني: منهيات ويدخل في المأمورات ما كان على وجه الإلزام والتأكيد وما هو دون ذلك وكذلك المنهيات، يدخل فيها ما كان على سبيل الإلزام والتأكيد وما هو دون ذلك
ويخرج من هذا -على قول بعضهم- الأصل وهو ما كان أصله الإباحة فهذان الأصلان: المنهيات والمأمورات من نظر فيهما وجد أن عليهما تدور أحكام الشرع ...وهذا ظاهر فإن من نظر إلى الآي من كلام الله وكلام رسول الله (ص)وجد هذا ظاهرا
لهذا يقول النبي (ص): (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) فأكد على الاجتناب وعلق الأمر بالاستطاعة في الأمر لأن الأمر في قوله (ص): (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) يقتضي كلفة ومشقة فضلا عن الأصل الذي خلق عليه الإنسان وهو العجز
وأما النهي فإنه يجب على الإنسان أن ينتهي عنه جملة لأن الأصل في حاله العجز فكانت المنهيات في الشرع آكد وأشد تأكيدا من المأمورات وعليه يقال: إنه ينبغي للعالم والمفتي أن يؤكد في جانب المنهيات أعظم وأشد من المأمورات وذلك لأن الغالب أن المأمورات تتعلق بها المصلحة الأخروية وإن وجد شيء كثير مما يخالف هذا وأما المنهيات فتتعلق بها المصلحتان: المصلحة الدنيوية والأخروية وهذا ظاهر ..ولذلك وجب على المفتي والعالم ومن أراد أن يتفقه في دين الله: الاحتراز في الفتوى من القول على الله عز وجل بلا علم لأنه موقع عن الله وموقع عن رب العالمين وكأنه قد نصب نفسه مقام المشرع (ص) فكان مقامه من أعظم المقامات وأشدها في الدين فوجب عليه الاحتراز"
والكلام السابق الكثير منه صحيح عدا :
أولا أن الأصل فى الأشياء الإباحة وهو ما يتعارض مع أشهر جملة وهى لا إله إلا الله فهى تتضمن نهيا وأمرا نهيا عن عبادة غير الله وأمرا بعبادة الله وأول حكم للبشر فى قصة آدم كان يتضمن أمرا ونهيا معا وهو الأكل من كل الأشجار عدا شجر واحدة نهى عنه كما قال تعالى :
"وقلنا لآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين"
ثانيا أن المشرع هو الرسول(ص) والمشره هو الله كما قال تعالى :
"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك "
وتحدث عن أخذ العلم ممن قب من زمان الوحى فقال :
" أهمية أخذ العلم ممن قرب من فترة الوحي:
لهذا كان المرد والمآل في سائر النصوص إلى كلام الله وكلام رسول الله (ص)لا إلى كلام غيره وقد كان السلف يشددون في النقل عن غير الصحابة عليهم فيأمرون بالأخذ بكلام الله وكلام رسول الله (ص)وكلام الصحابة عليهم ويحذرون عن الأخذ عمن دونهم وذلك أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ عمن قرب من الوحي
لهذا قال الإمام أحمد -وكذلك قال الأوزاعي- قال: العلم كلام الله وكلام رسول الله (ص)قال: واكتبوا قول الصحابة ونهى عن كتابة قول التابعين وذلك أن الخطأ والوهم والغلط يقع فيهم أكثر من الصحابة وكلما تباعد الناس عن الوحي كلما وقعوا في الوهم والغلط ولهذا كلما جاء قرن بعد قرن أمروا بأن يكتبوا عمن كان قبلهم ولا يكتبوا عمن كان في عصرهم لأنه كلما تأخر الناس زمنا كثر الفساد في الأرض وكثر القول على الله عز وجل بلا علم فوقعوا في الخطأ والزلل وفيما يخالف أمر الله عز وجل ويخالف نهيه
ولهذا كان ابن شهاب الزهري -وهو من متأخري التابعين- يكتب أقوال الصحابة ويترك أقوال التابعين وخالفه صالح بن كيسان في ذلك فكان يكتب أقوال الصحابة ويكتب أقوال التابعين فلما كان في القرن السابع كما يقول الحافظ ابن رجب تعالى: كان متحتما على من رام علما أن يكتب أقوال الصحابة وأقوال التابعين وأتباعهم وأقوال الأئمة كالإمام أحمد و الشافعي و إسحاق و أبي عدي وغيرهم
وهؤلاء بأقوالهم يتبين للإنسان معرفة الحق والصواب من الباطل والخطأ وذلك أنه بأقوال هؤلاء الأئمة يعرف الأدلة لأنهم أصحاب نور وهداية وتمسك بالوحي لهذا كان العلماء يجعلون من شروط المفتي أن يكون عارفا عالما بالخلاف عالما بأقوال العلماء على تباين أحوالهم وقد جعل هذا شرطا في المفتي غير واحد من الأئمة كالإمام أحمد وكذلك ابن مهدي و ابن المبارك و الخطيب وغيرهم من الأئمة قالوا: إنه لا يتأهل المفتي للفتوى حتى يكون عالما بأقوال الناس وقد سئل الإمام أحمد عمن لديه السنة عن رسول الله (ص)ولكنه لا يعرف الصحيح من الضعيف ولا يعلم أقوال الناس هل يفتي؟فقال: لا، وإنما يسأل أهل العلم وكأنه ما جعله من أهل العلم حتى يعرف الصحيح من الضعيف من هذه السنة وكذلك يميز بين أقوال العلماء المتشدد منهم والمتساهل"
وحديث الطريفى متناقض فهو يرد ألأمر للنصوص فى قوله" المرد والمآل في سائر النصوص إلى كلام الله" ومع هذا بطالبنا أن ،اخذ بكلام القريبين زمنيا من الوحى فيقول" وذلك أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ عمن قرب من الوحي"
وهو ما يتعارض مع وجوب الرد إلى الله وحده كما قال تعالى :
"وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله"
وتحدث عن أسباب الزلل فى الفتوى فقال :
"أسباب الزلل في الفتوى وأخذها:
وكثير من الناس يقع في الوهم والزلل وعدم الإدراك للصواب فيأخذ بطرق يظن أنه على الحق فيها والزلل الذي يقع عند المفتين وكذلك من ينصب نفسه مكان المشرع ويفتي في شرع الله بأقوال عباده ويتنكب الدليل والمزالق في ذلك كثيرة لكن ليست كلها بسبب سوء النية أو التعدي على الشرع أو النظر في الترخص والمباحات، لا ولكنه يكون بعضها بالجهل وعدم الاحتراز لجناب الشريعة والعناية بالدليل فإن أعظم المزالق التي ينزلق فيها كثير ممن يقول بخلاف الحق ويتنكب الدليل هي لعدم معرفته بالصحيح من الضعيف من السنة ومن كانت حاله هذه فليس أهلا للفتيا حتى يميز صحيح الأثر من ضعيفه
وقد نص على هذا غير واحد بل حكموا بأن من كان حاله على هذه الحال أنه لا يجوز له أن يفتي ويجب عليه أن يسأل أهل العلم العارفين بالصحيح من الضعيف من كلام رسول الله (ص)وقد نص على هذا عبد الرحمن بن مهدي وكذلك الإمام أحمد و ابن المبارك و الخطيب البغدادي وكذلك ابن القيم وكذلك الإمام الشافعي في مواضع من مصنفاتهم عليهم رحمة الله أنه إذا كان العالم لا يملك آلة التصحيح والتضعيف ولا يميز الصحيح من ضعيفه فهذا ليس أهلا للفتيا وهو داخل في دائرة العوام من جهة التقليد وهو مقلد لا غير
وكذلك أيضا من المزالق التي تجعل القول الشاذ يرويه كثير من الناس أو العامة عدم العناية بالقول الصحيح لأن طالب العالم حال طلبه للعلم يحاول التماس الراجح من أقوال الفقهاء فيحفظ المصنفات من المتون الفقهية ويكون أول ما يصل إليه الترجيح على قول فلان أو الترجيح على قول فلان من غير التماس للدليل فيأخذ بقول العالم الفلاني لأنه قد حفظ متنه الفقهي فحال سؤاله عن مسألة من المسائل يتبادر إلى ذهنه أول ما وصل إليه من الأقوال
وهذا من أسباب نشوء الخلاف وكذلك عدم التوسع في معرفة الخلاف فإذا كان طالب العلم يحفظ متونا فقهية وهي أول ما وصلت إليه ولم يسبق ذلك بحفظ الدليل عن رسول الله (ص)فإنه عند سؤاله يبادر إلى ما حفظه من أقوال العلماء من غير نظر للدليل فإذا علم أن أحدا خالفه شدد عليه وظن أنه قد خالف الحق وهو ما عرف إلا ذلك المتن الذي قد حفظه
وكذلك أيضا من مواضع الزلل عند المفتي في مخالفة النص أن المفتي ربما يجهل حال البلد الذي استفتي منه وربما تكون حال ذلك البلد تختلف عن حال البلد الذي هو فيه وبتلك الحال ربما يختلف الحكم الشرعي لأن الشرع قد علق الأمر بعلة شرعية إن وجدت وجد هذا الحكم الشرعي فلما كان البلد قد تغير فإنه ينتفي هذا الحكم وينقل إلى حكم آخر لأنه معلق بعلة والحكم يدور مع العلة وجودا وعدما"
وهذا الحديث عن أسباب الزلل هو بعيد عن الحقيقة فى كثير منه فمرد الزلل وهو الخطأ إلى ثلاث :
الأول اتباع الهوى
الثانى عدم الفهم سواء للقضية أو للنص
الثالث الإكراه سواء كان خوفا من الحاكم أو من الناس
وذكر أمثلة عن سبب من اختلاف الفتاوى بسبب اختلاف البلد والعادات فقال:
"والأمثلة على ذلك كثيرة فربما سئل مفت من المفتين عن مسألة خضاب الرجل وهل يجوز أم لا؟ فربما أفتى بأنه لا يجوز لأنه تشبه بالنساء لأن النساء في بلده يخضبن والرجال لا يخضبون، ولكن في كثير من البلدان الإسلامية ربما الرجال يخضبون أكثر من النساء فإذا كان العالم يعلم حال ذلك البلد التي قد استفتي فيها فإنه يكون على بينة ولا يحدث قولا يحمل على الشرع فيخالف الأصل الذي قدره الشارع وهو تعليق الأمر على تلك العلة التي علق الشارع الأمر بها
ومن ذلك أيضا ما يتعلق بلباس الناس من جهة التشبه ومن جهة الألوان فربما يسأل العالم عن لباس المرأة ولون لباسها ونحو ذلك كأن تكون المرأة تخرج بعباءة خضراء أو عباءة صفراء أو عباءة بيضاء ونحو ذلك فيقول بعدم الجواز ولا يعلم حال المستفتي ولا حال بلده
وذلك لقوله أن الرجال يلبسون البياض وأن النساء قد اختصصن بالمباينة وحال ذلك البلد أن الرجال والنساء لا يفرق بينهم من جهة لون اللباس والواجب الستر فحينئذ يقال: إن الشارع لم يخصص لونا بعينه ولكنه إذا وجد في بلد أن الرجال قد امتازوا بلون والنساء قد امتزن بلون فإنه يحرم على النساء أن يلبسن ألوان الرجال ثم يفتي بأنه يحرم على المرأة أن تلبس اللباس الأبيض لأنه من اختصاص الرجال في بلده
وأما البلد الآخر الذي منه المستفتي فيجاب بحسب معرفة الحال لهذا يقول ابن تيمية : وإنما وقع الخلاف في الشرع ومنهم من يعلم الدليل من الكتاب والسنة ويجهل السياسة الشرعية ومنهم من يعلم السياسة الشرعية ويجهل الأدلة من الكتاب والسنة "
والحقيقة أن الفتاوى لا تقوم على اختلاف البلاد أو اختلاف عادات الناس فالفتوى واحدة فى أى مكان إلا ما نص الله عليه من الوجود فى بلاد الكفر حيث يجب اخفاء مظاهر الإسلام كالصلاة علنا وأيضا الفتاوى الخاصة بالحج فى مكة
وأما العادات فأحكام الله فيها واحدة ولو قلنا حكم الله فى الخضاب وهو تغيير خلقة الله بلون ما فهو الحرمة لأنه استجابة لقول الشيطان:
" ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"
ومن ثم لا يتعلق الحكم باختلاف البلد
وأما حكم ألوان الملابس فالله تركه مفتوحا فلم يذكر لونا ولم يذكر مادة صناعته ومن ثم كل الألوان مباحة لأن حكم الله فى اللبس فى الأماكن العامة وأمام الأجانب المحرم النظر عليهم فهو مواراة أى اخفاء العورة كما قال :
"يوارى سوءاتكم"
وتحدث عن واجبات المفتى فقال :
"ما يجب على من تصدر للفتوى
ولهذا الواجب على المفتي أن يكون فاهما والفهم على نوعين كما قال غير واحد من العلماء أن يكون فاهما للدليل وأن يكون فاهما لحال المستفتي وهذا قد نص عليه الأئمة في قرون طويلة وقد ذكر الإمام أحمد بن حنبل أن المفتي لا يمكن أن يؤهل للفتوى حتى يكون فيه خمس خصال:
الخصلة الأولى: أن يكون صاحب نية وورع فإنه إن كان فيه نية كان في وجهه نور وإن كان في وجهه نور كان على كلامه نور
الخصلة الثانية: أن يكون صاحب علم وحلم ووقار وسكينة
الصفة الثالثة: أن يكون قويا وقادرا فيما هو فيه
الصفة الرابعة: أن يكون صاحب كفاية وإلا مضغه الناس
الصفة الخامسة: أن يكون عالما وعارفا بأحوال الناس خاصة فيما يتعلق بالأحكام الشرعية التي هي منوطة بعلل ولم يعلقها الشارع بحكم شرعي بائن لازم على كل حال فإنه تتباين الأحكام الشرعية من حال إلى حال ...وشريعة الله مآلها ومردها إلى الكتاب والسنة وليس إلى قول فلان من الناس ومن نظر إلى حالنا في هذا العصر وجد أننا أحوج ما نكون إلى إعادة الناس إلى الكتاب والسنة والنهل من فقه السلف من الصحابة والتابعين بعيدا عن التمسك بأقوال الفقهاء من البلد الفلاني والبلد الفلاني ومن نظر إلى العلماء الذين تكلموا في المقاصد الشرعية كالإمام الشاطبي وجد من تتبع شواذ أهل العلم ورخصهم قد خرج عن الإسلام
ويقول سليمان التيمي: من أخذ بأقوال العلماء التي قد خالفوا فيها الدليل وأخذ من كل عالم ما وافقه فقد اجتمع فيه الشر كله أي أنه قد قلب الأصول الشرعية"
والمفتى الشرط الواجب توافره فيه هو العلم لأن بقية الصفات متوافرة فيه بصقته مسلم كبقية المسلمين وأما حكاية نور الوجه فهذا تخريف فالنور والظلام ناتج من لون الجلد ومن ثم يفتى الرجل بعلمه المأخوذ من نصوص الوحى هذا هو الشرط الوحيد
وتحدث عن أصول الفتوى فقال :
" الأصول الشرعية في الفتوى وأخذها
الأصل الأول أن الشرع هو الحاكم والهوى محكوم ولكن هذا قد قلب هذه السنة وهذا الأصل فجعل الهوى حاكما والشريعة محكومة وما التمس الدليل وإنما أخذ الأيسر
الأصل الثاني: أن وجود أقوال العلماء في مسألة من المسائل لا يعني منه وجود دليل لهذا القول وأنه يسوغ للإنسان أن يأخذ به فربما أفتى هذا العالم في مسألة برأيه لأنه لا يعلم حديثا في المسألة فإذا علم الدليل خالف قوله ...لهذا يقال: إنه ينبغي أن يعلم أن العلماء حينما يقولون بقول من الأقوال فلا يعني أنهم على دليل وإنما هو اجتهاد فقد يكون بنوه على أصل لعدم معرفة الدليل
الأصل الثالث: أن الإحاطة بمعرفة الأدلة من الكتاب والسنة وإدراك أحكام الشريعة ليست لأحد وأنه ما من أحد إلا ويند عنه من أحكام الشريعة ما يند ولهذا الصحابة عليهم قد وجد فيهم من خالف الدليل صراحة لأنه لم يبلغه الدليل وإنما أخذ بالأصل فإذا جاز هذا للصحابة عليهم وهم أشد الناس احترازا فهو لمن بعدهم من التابعين ومن جاء بعدهم أجوز ولا يعلم أحد من الصحابة ولا من غيرهم من التابعين ومن أتباع التابعين وأئمة الإسلام إلا وله قول في مخالفة الدليل صراحة ويقع منه الوهم والغلط في ذلك واجتهاده مأخوذ