- إنضم
- 14/7/21
- المشاركات
- 2,589
- مستوى التفاعل
- 26
- النقاط
- 48
- الجنس
- ذكر
غير متصل
قراءة فى كتاب القراءة المحشاة
قراءة فى كتاب القراءة المحشاة
الكتاب من تأليف حمزة آل فتحي وهو يدور حول وضع حواشى للكتب المحققة أو الكتب المعاد نشرها والمؤلف فى الكتاب يبين ضرورة وضع الحواشى للكتب فيقول:
"وبعد ...
فلقد توارثنا من مشايخنا فنون العلم والقراءة والاطلاع، فكان مما علمونا وأرشدونا، التزام كتاب واحد في القراءة، تدقيقا وتحقيقا، وعدم إطلاق سراحه دون حاشية كاشفة، ودماء نازفة، تجلي مبهمه، وتكشف مغلقه، وتعرف غامضه!! بحيث تضاعف فوائده بكثرة مسائله، وتزيد من حسنه وجودته .."
وتحدث عن أنواع التحشية فقال :
"فمن ذلك النهج، واستحضارا لمقولة الإمام الأستاذ، أبي زيد اللغوي:
(لا يضئ الكتاب حتى يظلم)!!
بدا لي من الأهمية بمكان، ومن العلم بامتياز، ضرورة التحشية والتقييد على الكتاب المقروء، وهي على ضربين:
1) تحشية طبيعية شارحة، تجلي الكلام وتكشف غوامضه، وتبين معانيه.
2) تحشية نقدية ضافية، تتعقب، وتعزز المعاني بمعان أخرى ومعارف مشابهة أو فائقة."
والمعروف فى التراث أن الحواشى أى الحاشيات معظمها كان عبارة عن زيادة لحجم الكتاب وكانت تقتصر على بيان معنى كلمة فى معظمها أو تذكر رواية معارضة أو حكم مخالف فى القليل من الأحيان ومن ثم لم تكن معظم الحواشى لتضيف علما جديدا وتحدث ع فوائد الحواشى فقال
"وكلاهما مفيدتان، والعمل العلمي ماش على الأولى في غالبه، حيث البناء والتأسيس وضعف الخبرة والإبداع، فيمكن أن نسميها (الحاشية التأسيسية).
والثانية (التطويرية الإبداعية) التي تتفاعل مع المؤلف، إيجابا وسلبا، وردا وتعقيبا بالحجة والبرهان، وتضيف عليه أشياء أهملها، وعلوما نسيها، وفوائد فوتها، يرى لزاما القارئ الجيد، ضرورة ورودها ليتم الكلام، ويستقيم السياق، وينتفع بها هو يوما من الأيام، وتكفيه الرجوع إلى المصادر اللاحقة.
وإذا عاد لقراءة الكتاب بعد زمن بعيد، وجد نصوصه المزينة، ونقداته اللامعة، وتعليقاته الماتعة، فذكرته، أياما خوالي رائعات والتهبت عنده مشاعر نازفات، لايكاد ينساها أو يتجاهل حلوها ومرها ... وبات من الضروري قراءة الكتاب بطبعته المترعة والمزيدة، حيث الإبداع، والإظلام المنور،
ويمكن أن يضاف ضرب ثالث تنظيمي، هو (فهرسة القراءة) وهي لا تقل اهتماما عن سابقاتها، ويدرك القارئ أن عائدتها العلمية والفكرية الإبداعية على صاحبها ثمينة جدا، وتحدث تميزات واختراقات لا يستهان بها في الوسط العلمي النخبوي، وتفجر لديه ابتكارات علمية، وتعقبات سديدة وتأليفات جديدة."
وهذا الحديث عن الحواشى لم يكن لازما فى يوم من الأيام فالمفترض هو إما نقد الكتاب ببيان عيوبه ومحاسنه حسب أحكام الله وإما تركه على حالته بدون زيادة لأن نشر الكتب حاليا هو عملية تجارية فى المقام ألأول والقراء كانوا وما زالوا يعانون فقرا ماليا والحواشى تتسبب فى زيادة أعباءهم الحياتية من خلال زيادة سعر الكتاب
وتساءل عن السبب فى القراءة المحشاة وأجاب فقال :
"لماذا القراءة المحشاة؟!
يستثقل بعض القراء القراءة المحشاة، ويرى أنها إذهاب للوقت، وإهدار للزمن الجميل، وتعطيل للجد، بحيث يختم الزملاء، ويفرغ صغار التلاميذ!! وهو لازال في كتاب واحد، يحمله في كل مكان، ولم يأت بعد على آخره!!
وهذه شبهة خطيرة، إذا رسخت في الفؤاد، كسرت القلم، وعزفت النفس عن الكتاب نهائيا، وامتطت صهوة الإسراع الفارغ، والجرد الخاطف بلا وعي وانتباه وتدبر!!
وتختم الكتب بلا وعي وثمرة وجناء ... (فأما الزبد فيذهب جفاء)
وللإجابة نقول أولا أن العلم سهل ممتنع، ومرتع فسيح، لا يمكن هضمه في مدة سريعه، أو بكتب عزيزة، أو بقراءة شوهاء سريعة، بل لابد له من صبر وتأن...ووعي معنى القراءة المحشاة وإدراك ثمراتها، يجعل الاستبطاء هنا مفيدا لذيذا، لأنه يعني الحصد، والترسيخ، والعمق، والانتفاع.
ولذلك من فوائد التحشية هنا مايلي:
(1) تدريب الصبر، وتعليم الاحتمال ورفض للإسراع الطاغي، والاستعجال المنتاب لأكثر الطلاب.
(2) ترسيخ المقروء، وحياز فهمه وبركته واستكناه مراميه ومغاريه.
(3) فتق نصوصه، وفرزها وبيان معانيها ومشكلاتها.
(4) التعليقات المكثفة والكاشفة لكل مستبهمات النصوص، وغوامض الكلام المرسوم.
(5) الاحتراف النقدي والتعقيبي، بحيث مع استدامة التعليقات والاستدراك، يؤسس القارئ لنفسه (ملكة نقدية)، تأتيه بالعجائب والفرائد، وهذه الملكة لو وبذل لها ملايين، وقطع رحلات لما كان غريبا، لأنها عزيزة غالية!!.
(6) تحفظ ما يتيسر من الفوائد المصقولة، والمصطلحات المزيونة، والأشعار الميمونة، التي لا تتطلب جهدا كبيرا، بل بمجرد الكتابة والتمعن الزائد، ترسخ في الذهن، والناس يتفاوتون هنا في حسن التلقي والاستجابة الذهنية السريعة.
(7) تعلم فن الكتابة واستسهالها علميا، بحيث تصبح طريقا للجمع والحفظ والتأليف.
(8) صناعة اليقظة والنباهة لدى القارئ، بحيث يصبح أكثر تركيزا ووعيا لما يطالع ويعلق.
(9) تحويل الكتاب إلى جوهرة ذهبية نفيسة، مطرزة بكل النقوشات المختلفة.
(10) جمع الفوائد المعززة لمعنى واحد، وزجها في سياق معين، بحيث يسهل الرجوع إليها.
(11) تسجيل ذكريات معينة يكون لها وقعها على القارئ بعد زمان سحيق، وعلى الأبناء إذا ما شاهدوها بعد عشرات السنين ... وتذكروا بها مثابرة والدهم، وحسن صنعه، وبعض هذه الحواشي قد تتحول مع مرور الأزمان، وحسن التعليق والإجادة إلى مؤلف، ينشره الأب أو أحد أنجاله، وقد تم مفرقا، حسب الاطلاع والمناسبات المختلفة، ثم كتب الله له الخروج والنشر بعد الصقل والاعتبار والله الموفق والمعين.
(12) تجاوز مرحلة التعصب والتقديس للمؤلف، وأنه لا عصمة لأحد بعد القرآن والسنة وكل يؤخذ من قوله ويترك، وهذا من محاسن القراءة النقدية، ومن الآداب التي تصنعها الحواشي، ولا تصنعها المحاضرات والتوجيهات، ولو وجه المشايخ تلامذتهم إلى كتب المتون بعد حفظها، إلى نقدها والتعقيب عليها، لتجاوزت الأمة مأزق التعصب الأعمى، والهيام بالرموز المذهبية، وأذكر هنا قول بعض متعصبة الأحناف في مدح متن الهداية للمرغيناني الحنفي
إن الهداية كالقرآن قد نسخت ما صنفوا قبلها في الشرع من كتب
ولو امتثل متفقهة الهداية هذا الممتثل لقالوا:
إن الهداية متن طاب منظره ليست نفائسه كالنسخ في الكتب ولكن التعصب داء قاتل."
والفوائد التى قالها الفتحى هى أضرار فليس المطلوب من المسلم أن يقرأ كل هذا الكم الهائل من الكتب والتى للأسف الشديد معظمها فى المذاهب هو تكرار لموضوعات معينة
المطلوب من المسلم أن يعرف الأحكام بصورة بسيطة وأما الكتب المذهبية وحواشيها فهى سوف تقنعه بضرورة ترك الإسلام بسبب كم الاختلافات الهائل فى أفهام الفقهاء بسبب تصديقهم للروايات المتناقضة والمعانى اللغوية والنحوية
فالكتب وحواشيها المراد منها بتلك الطريقة ابعاد المسلم عن كتاب الله وجره للمسائل النظرية والاجتهادات البشرية التى لا طائل من خلفها
وتحدث عن فنون الحواشى فقال :
"فنون الحواشي:
الحاشية تتنوع وتتلون بحسب المتن أو الكتاب المقروء، وموضوعه وفكره المسطور، فحينما يكون الكتاب عقائديا، تكون الحواشي عقائدية توحيدية، وحينما يكون الكتاب حديثيا تكون التعليقات معاني للمتون النبوية، وشرحا لمصطلحات عارضة، وحينما يكون الكتاب متنا فقهيا، تكون فكا لمستغلق المتون الضيقة، وبيانا للأدلة والقواعد، وشيئا من التفريع الفقهي والخلافي.
ونرى في هذا السياق أن لا تكون الحاشية منتمية تمام الانتماء إلى العلم المقرر فيه هذا الكتاب، بل نرى جعلها متلونة، متنوعة تشمل الفقه والعقيدة والمعنى الحديثي والاصطلاحي اللغوي والشعري، بمعنى أنه كلما مر القارئ بشئ يحتاج إلى بيان أو تجلية أو تعزيز وترسيخ، علق ما يراه مناسبا له وللكتاب، بحيث يستطيع أن يجعله موسوعة معارف متنوعة، تغنيه عن الرجوع لمصادر أخرى، هي مظان لتلكم الفوائد.
بل لو تكلف القارئ الحصيف الحاشية حينئذ لكان حسنا، بحيث تكون كالتالي:
(1) بيان كل جملة غريبة، أو سياق غير واضح.
(2) كشف معنى كل آية قرآنية لا يدرك معناها.
(3) شرح كل مصطلح لغوي غير مفهوم، عبر كتب المعاجم وبيان ذلك المرجع بالرقم والصفحة.
(4) تعليق الشواهد الشعرية الماتعة المؤكدة للمعاني، والمجلية للأفكار والمرسخة للفهوم.
(5) إثبات الفوائد النادرة للأئمة، وكبار الأعلام والشيوخ، ومحاولة تحفظها وضبطها.
(6) تخريج الأحاديث غير المخرجة، وبيان أحكامها وعللها، لا سيما للمهتمين بعلوم الحديث.
وقد تظهر الحواشي ميول القارئ وعنايته بأشياء مخصوصة، وهذا شئ فطري لإيمكن تجاوزه، لكننا نؤكد هنا على ضرورة تسويد الكتاب أولا، وإغراقه بالفوائد والتعليقات، ثم تأتي مرحلة ثانية من النصح والنباهة تجعل القارئ لا يعلق إلا ما يفيده ويدعم عنده الفائدة المقصودة.
وقد يعقب ذلك الانتقال إلى الحواشي النقدية، التي تخطها أيدي الصفوة، والقراء النهمين العمالقة، الذين يثرون الكتاب بالرد والنقض، والتأييد والتعقيب، وهذه مرحلة متأخرة ستحصل وتتنامى مع شدة العمق القرائي، واستدامة النهج البحثي والمعرفي.
ومن صور التحشية انتهاج التخطيط والعلامات على جمل معينة أو مسائل محددة، أو إشكالات خاصة، وإن لم يكتب شيئا، لكنه خطط ورسم وعلم، بحيث يراجعها في يوم من الأيام، ويمكن أن نسميه هنا (ترميز القراءة).
وهي نوع من التحشية والفهرسة الجميلة للمقروء، بحيث يستخدم إشارات معينة للكلام الجزل المفيد، وإشارة خاصة لما يراد حفظه، وأخرى لما لا يفهمه، وأخرى لما يرى غثاثته، وعدم الحاجة إليه ... !!وهنا يمكن أن يستخدم الألوان المختلفة كالأزرق والأحمر والأخضر للمهم والمفيد والمثير والمحفوظ وهلم جرا ..
المهم أن يجسد صلته بالكتاب قراءة وحذقا وحاشية وخربشة، بحيث تمتلئ عيناه بالنظر إلى الكتاب، فتحفظ شكله ولونه وطريقه نظمه وكتابته، من طول النظر، ودوام التعليق وغزارة الإظلام المضئ، والتسويد المشرق."
وكل ما ذكره الرجل لا فائدة منه إلا فى الدراسات العليا وأما الطلاب الذى يتم تعليمهم فى المدارس والجامعات فالمطلوب هو تعليمهم أحكام الإسلام ببساطة ودون دخول فى متاهات
والحاشية الوحيدة المفيدة هى الحاشية النقدية والتى تختص فى الغالب ببيان أخطاء الكتاب ومخالفاته لكتاب الله وهذه يمكن نشرها فى كتاب دون الكتاب للأصلى لتقليل حجم الكتاب وكلفته فى زمن لم يعد أحد من القراء إلا النادر يملك مالا لشراء الكتب
وتحدث عما سماه الحاشية المنظمة فقال :
"التحشية المنظمة وسواها
مع استمرار القارئ الحصيف في التحشية، وانهماكه في حلوائها، سيبين له من خلال الكتابة وحذقها، أنه بإمكانه تنظيم الحاشية، وحصرها في نطاق علمي موحد.
حيث يعمد إلى متن نحو (صحيح البخاري) مثلا، فيعلق عليه خلاصة شروح البخاري كالفتح والمعالم والعمدة والإرشاد، والبهجة والكوثر وشبهها، بطريقة مختزلة مستخلصة، بحيث يفرغ من المتن قراءة، وقد دبجه بروائع المعاني المتفرقة في أمهات الشروح، مع ما قد يضيفه هو من فوائد، يفتحها الله عليه، ثم بعد ذلك يعدها للإلقاء والطرح والنشر.
أو يندفع إلى متى عقيدي (كالطحاوية) أو (الواسطية)، ويذيلها بحاشية مذهبة موزونة، تنصب في النطاق العلمي المخصوص، بلا تفريعات ولا هوامش دخيلات، إلى أن ينتهي إلى خلاصة عقدية جميلة لذلك المتن الشريف.
أو يكرس جهده لمتن فقهي في أحد المذاهب الأربعة المشهورة (كالهداية) عند الحنفية أو (أبي شجاع) عند الشافعية، أو (خليل) عند المالكية، أو (الزاد) عند الحنابلة، فيصب فيه رؤوس المعاني، الفاكة لعقد المتن، مذيلة بخلاف يسير في المذاهب، وتعليلات فقهية رائعة واستنتاجات هادئة، أو يملك نسخة من تفسير القرآن الكريم المختصرة، المطبوعة بذيل المصحف، فيضم إليها مختصرا تفسيريا رزينا من أحد التفاسير المشهورة، أو يلخص مضمون ثلاثة تفاسير جياد على نسخته الأصلية.
وقد جربت بحمد الله هذه الحاشية المنظمة على عدة كتب، كان من أهمها وأدقها حاشية تفسيرية على نسخة (الحافظ التجيبي) على تفسير ابن جرير الطبري، حيث طبعت بهامش القرآن، فامتلكتها وعلقت على هوامشها، عصارة ذهن ابن الجوزي الخلافية في كتابه الشهير (زاد المسير) ورغم ضيق الهامش، إلا أنني حاولت إدخال ما يمكن إدخاله من خلافات التفسير المفيدة، وأشعر بالحاجه الماسة إليها.
وإن كانت هذه حاشية متقدمة بجانب ما يفعله المبتدئ إلا أنها صورة تطبيقية لما نريد حكايته وترسيخه في المنهج العلمي للطلاب، وكانت الفوائد والعوائد واسعة النطاق على العبد الفقير، خرج منها بما يلي:
(1) ترسيخ المكتوب، وفهم مكامن الخلافيات التفسيرية.
(2) إدراك معالم منهج ابن الجوزي في التفسير، وسعته النقليه التي تتجاوز الوصف، ووعي ما قد يكون مأخذا عليه
(3) الالتذاذ التقييدي المباشر للقلم والكتابة، بحيث ترافقك اللذة، ويجانبك الملل، ولا تحسب حساب المكتوب والتعب.
(4) توسيع المدارك النقدية وبحيث يمكن فرز تلك المنقولات، ومقارنتها بأقوال أخرى تصاحبها، أو تفوقها صحة واستدلالا.
(5) معرفة كبار أئمة التفسير واللغة الذين يهتم بهم ابن الحوزي، ولا يكاد يتجاوزهم إلا قليلا.
(6) فهم تدبر القرآن، والعيش في ظلاله واستنباط دروسه وعظاته، التي لا تدرك إلا بشئ من النظر والأناة، والربط والمقارنة.
(7) الاحتكاك المباشر باللغة القرآنية، وحيازة مفرداتها وروائع تركيباتها، وهذا شئ يطول جدا، وهو علم بحد ذاته، حيث أتاح التفسير فهم تلك المفردات الغريبة والتي لا تفهم بمجرد حفظ القرآن، بل لابد من العود للتفاسير والشروحات.
- هذا ما يمكن أن نسميه (حاشية منظمة) تدور في فلك علمي، واحد بحيث إذا فرغ من الكتاب باتت ككتاب معلق أو شارح لذلك المتن الأصلي، أما سواها فهي (الحاشية العامة)، التي تجاوز حدود الفن الواحد، وتنفتح على سائر الفنون والعلوم والكتب والتعليقات، بحيث يكون فيها شمولية غزيزة لاحد لها، تثري الكتاب، وتثقف الطالب وتوسع مداركه، وتقدح زناده للمضاء والاستزاده والتوسع ..."
وكما سبق القول الحواشى بديلها المفيد هو نشر نقد القارىء فى كتاب بمفرده فهو أفيد للقارىء وأرخص سعرا عندما يتم نقل الفقرات التى تم التعليق عليها مع التعليق
وبالقطع لا يقرأ تلك الكتب المحشاة عند النشر إلا قلة ثم ترمى ولا يقرئها أحد لأنها لا تفيد جمهور القراء نظرا لضخامة عددها صفحاتها ومجلداتها
وتحدث عن التحشية فى عصرنا فقال :
"التحشية في عصر السرعة والمعلومات
عصرنا الذي نعيش فيه، تميز بالسرعة والتدفق المعرفي والمعلوماتي والاقتصادي العجيب.
بحيث أن حجم المعلومات المقذوفة في الساحة، لا يمكن للقارئ المجتهد بلوغها والإحاطة بها فضلا عن القارئ البسيط!!
هذا يتطلب من القارئ الفهم الحصيف، مضاعفة الجهد، وامتطاء السرعة، والمبادرة وتوفير الزمان، والتقليل من المباحات، وشحذ العزيمة، وتقدير قيمة العلم والمعرفة.
والشبهة هنا أن التحشية والتعليق تأخير وتخلف عن قافلة المسارعين وقنطرة المجيزين، مما يعني تراكم المعلومات، وتأخر الفهم، والتباعد الذهني، الذي سينعكس بتداعياته على الطالب والعالم والمثقف.
ولتجاوز ذلك الاهتمام بالقراءة أولا وانتهاء، والاكتفاء بالتخطيط العابر بالقلم الرصاص، لإنجاز قدر كبير من الكتب في الشهر الواحد.
وللجواب على هذه الشبهة:
(1) أولا: علينا ان نعي أن لكل وسيلة محاسنها وعيوبها، وهذا من عيوب التحشية، ولكن المحاسن المذكوره سلفا تغطي على هذا العيب، وتتجاوزه إلى النتيجة النوعية المدروكة من خلال الوصفات السابقة.
أما الهذ والهذرمة، والخطف، والسرعة، فهي وإن أنجزت كتبا لا تثمر نوعيا، ولا تحرك الأذهان ولا تصنع المثقفين والمبدعين.
ثانيا: مع دعوتنا إلى التقييد والحاشية، لا يعني الارتخاء والانبساط، بل يجب الأخذ بحزم، والسير بقوة، والتحرك باهتمام ومبادرة، لأن قراءة الكتاب بالتحشية نتجاوز قراءته بدون ذلك وقتا وزمانا، بحيث قد يتضاعف الزمان، ولكنك تعود بالإحسان، وذلك يختصر الزمان، وقد يبوء بالحرمان، فلا يخرج إلا بالاسم والرسم!! وربما نسي الكتاب ومؤلفه، برغم أنه ختمه، ولكن على عجل وبلا تعليق وتقييد!!.
ثالثا: التأخر المنتج خير من الاستعجال الفارغ، بحيث إنه قد يمر عليك شخص قراء يلتهم الكتب التهاما، ولكن حصليته العلمية، ووعاءه العرفي محدود والسبب دوام استعجاله الفارغ، واندفاعه الخاطف، وعزوفه عن الحاشية العلمية.
على أنه قد يوجد قارىء سريع، ولا يقيد، ولديه من الإمكانات الذهنية ما تجعله محيطا بمعالم ما يقرأ، لكننا هنا نرسم منهجا لجمهرة الطلاب، ونؤكد تفوق المحشي عل من سواه من المقتدرين والمسرعين، وهو منهج علمي قديم، سار عليه الأسلاف، وسنه فضلاء الناس، ومنهم الأذكياء والعباقرة، وهو فسيح الفائدة، وعظيم الثمرة والعائدة.
الكتاب من تأليف حمزة آل فتحي وهو يدور حول وضع حواشى للكتب المحققة أو الكتب المعاد نشرها والمؤلف فى الكتاب يبين ضرورة وضع الحواشى للكتب فيقول:
"وبعد ...
فلقد توارثنا من مشايخنا فنون العلم والقراءة والاطلاع، فكان مما علمونا وأرشدونا، التزام كتاب واحد في القراءة، تدقيقا وتحقيقا، وعدم إطلاق سراحه دون حاشية كاشفة، ودماء نازفة، تجلي مبهمه، وتكشف مغلقه، وتعرف غامضه!! بحيث تضاعف فوائده بكثرة مسائله، وتزيد من حسنه وجودته .."
وتحدث عن أنواع التحشية فقال :
"فمن ذلك النهج، واستحضارا لمقولة الإمام الأستاذ، أبي زيد اللغوي:
(لا يضئ الكتاب حتى يظلم)!!
بدا لي من الأهمية بمكان، ومن العلم بامتياز، ضرورة التحشية والتقييد على الكتاب المقروء، وهي على ضربين:
1) تحشية طبيعية شارحة، تجلي الكلام وتكشف غوامضه، وتبين معانيه.
2) تحشية نقدية ضافية، تتعقب، وتعزز المعاني بمعان أخرى ومعارف مشابهة أو فائقة."
والمعروف فى التراث أن الحواشى أى الحاشيات معظمها كان عبارة عن زيادة لحجم الكتاب وكانت تقتصر على بيان معنى كلمة فى معظمها أو تذكر رواية معارضة أو حكم مخالف فى القليل من الأحيان ومن ثم لم تكن معظم الحواشى لتضيف علما جديدا وتحدث ع فوائد الحواشى فقال
"وكلاهما مفيدتان، والعمل العلمي ماش على الأولى في غالبه، حيث البناء والتأسيس وضعف الخبرة والإبداع، فيمكن أن نسميها (الحاشية التأسيسية).
والثانية (التطويرية الإبداعية) التي تتفاعل مع المؤلف، إيجابا وسلبا، وردا وتعقيبا بالحجة والبرهان، وتضيف عليه أشياء أهملها، وعلوما نسيها، وفوائد فوتها، يرى لزاما القارئ الجيد، ضرورة ورودها ليتم الكلام، ويستقيم السياق، وينتفع بها هو يوما من الأيام، وتكفيه الرجوع إلى المصادر اللاحقة.
وإذا عاد لقراءة الكتاب بعد زمن بعيد، وجد نصوصه المزينة، ونقداته اللامعة، وتعليقاته الماتعة، فذكرته، أياما خوالي رائعات والتهبت عنده مشاعر نازفات، لايكاد ينساها أو يتجاهل حلوها ومرها ... وبات من الضروري قراءة الكتاب بطبعته المترعة والمزيدة، حيث الإبداع، والإظلام المنور،
ويمكن أن يضاف ضرب ثالث تنظيمي، هو (فهرسة القراءة) وهي لا تقل اهتماما عن سابقاتها، ويدرك القارئ أن عائدتها العلمية والفكرية الإبداعية على صاحبها ثمينة جدا، وتحدث تميزات واختراقات لا يستهان بها في الوسط العلمي النخبوي، وتفجر لديه ابتكارات علمية، وتعقبات سديدة وتأليفات جديدة."
وهذا الحديث عن الحواشى لم يكن لازما فى يوم من الأيام فالمفترض هو إما نقد الكتاب ببيان عيوبه ومحاسنه حسب أحكام الله وإما تركه على حالته بدون زيادة لأن نشر الكتب حاليا هو عملية تجارية فى المقام ألأول والقراء كانوا وما زالوا يعانون فقرا ماليا والحواشى تتسبب فى زيادة أعباءهم الحياتية من خلال زيادة سعر الكتاب
وتساءل عن السبب فى القراءة المحشاة وأجاب فقال :
"لماذا القراءة المحشاة؟!
يستثقل بعض القراء القراءة المحشاة، ويرى أنها إذهاب للوقت، وإهدار للزمن الجميل، وتعطيل للجد، بحيث يختم الزملاء، ويفرغ صغار التلاميذ!! وهو لازال في كتاب واحد، يحمله في كل مكان، ولم يأت بعد على آخره!!
وهذه شبهة خطيرة، إذا رسخت في الفؤاد، كسرت القلم، وعزفت النفس عن الكتاب نهائيا، وامتطت صهوة الإسراع الفارغ، والجرد الخاطف بلا وعي وانتباه وتدبر!!
وتختم الكتب بلا وعي وثمرة وجناء ... (فأما الزبد فيذهب جفاء)
وللإجابة نقول أولا أن العلم سهل ممتنع، ومرتع فسيح، لا يمكن هضمه في مدة سريعه، أو بكتب عزيزة، أو بقراءة شوهاء سريعة، بل لابد له من صبر وتأن...ووعي معنى القراءة المحشاة وإدراك ثمراتها، يجعل الاستبطاء هنا مفيدا لذيذا، لأنه يعني الحصد، والترسيخ، والعمق، والانتفاع.
ولذلك من فوائد التحشية هنا مايلي:
(1) تدريب الصبر، وتعليم الاحتمال ورفض للإسراع الطاغي، والاستعجال المنتاب لأكثر الطلاب.
(2) ترسيخ المقروء، وحياز فهمه وبركته واستكناه مراميه ومغاريه.
(3) فتق نصوصه، وفرزها وبيان معانيها ومشكلاتها.
(4) التعليقات المكثفة والكاشفة لكل مستبهمات النصوص، وغوامض الكلام المرسوم.
(5) الاحتراف النقدي والتعقيبي، بحيث مع استدامة التعليقات والاستدراك، يؤسس القارئ لنفسه (ملكة نقدية)، تأتيه بالعجائب والفرائد، وهذه الملكة لو وبذل لها ملايين، وقطع رحلات لما كان غريبا، لأنها عزيزة غالية!!.
(6) تحفظ ما يتيسر من الفوائد المصقولة، والمصطلحات المزيونة، والأشعار الميمونة، التي لا تتطلب جهدا كبيرا، بل بمجرد الكتابة والتمعن الزائد، ترسخ في الذهن، والناس يتفاوتون هنا في حسن التلقي والاستجابة الذهنية السريعة.
(7) تعلم فن الكتابة واستسهالها علميا، بحيث تصبح طريقا للجمع والحفظ والتأليف.
(8) صناعة اليقظة والنباهة لدى القارئ، بحيث يصبح أكثر تركيزا ووعيا لما يطالع ويعلق.
(9) تحويل الكتاب إلى جوهرة ذهبية نفيسة، مطرزة بكل النقوشات المختلفة.
(10) جمع الفوائد المعززة لمعنى واحد، وزجها في سياق معين، بحيث يسهل الرجوع إليها.
(11) تسجيل ذكريات معينة يكون لها وقعها على القارئ بعد زمان سحيق، وعلى الأبناء إذا ما شاهدوها بعد عشرات السنين ... وتذكروا بها مثابرة والدهم، وحسن صنعه، وبعض هذه الحواشي قد تتحول مع مرور الأزمان، وحسن التعليق والإجادة إلى مؤلف، ينشره الأب أو أحد أنجاله، وقد تم مفرقا، حسب الاطلاع والمناسبات المختلفة، ثم كتب الله له الخروج والنشر بعد الصقل والاعتبار والله الموفق والمعين.
(12) تجاوز مرحلة التعصب والتقديس للمؤلف، وأنه لا عصمة لأحد بعد القرآن والسنة وكل يؤخذ من قوله ويترك، وهذا من محاسن القراءة النقدية، ومن الآداب التي تصنعها الحواشي، ولا تصنعها المحاضرات والتوجيهات، ولو وجه المشايخ تلامذتهم إلى كتب المتون بعد حفظها، إلى نقدها والتعقيب عليها، لتجاوزت الأمة مأزق التعصب الأعمى، والهيام بالرموز المذهبية، وأذكر هنا قول بعض متعصبة الأحناف في مدح متن الهداية للمرغيناني الحنفي
إن الهداية كالقرآن قد نسخت ما صنفوا قبلها في الشرع من كتب
ولو امتثل متفقهة الهداية هذا الممتثل لقالوا:
إن الهداية متن طاب منظره ليست نفائسه كالنسخ في الكتب ولكن التعصب داء قاتل."
والفوائد التى قالها الفتحى هى أضرار فليس المطلوب من المسلم أن يقرأ كل هذا الكم الهائل من الكتب والتى للأسف الشديد معظمها فى المذاهب هو تكرار لموضوعات معينة
المطلوب من المسلم أن يعرف الأحكام بصورة بسيطة وأما الكتب المذهبية وحواشيها فهى سوف تقنعه بضرورة ترك الإسلام بسبب كم الاختلافات الهائل فى أفهام الفقهاء بسبب تصديقهم للروايات المتناقضة والمعانى اللغوية والنحوية
فالكتب وحواشيها المراد منها بتلك الطريقة ابعاد المسلم عن كتاب الله وجره للمسائل النظرية والاجتهادات البشرية التى لا طائل من خلفها
وتحدث عن فنون الحواشى فقال :
"فنون الحواشي:
الحاشية تتنوع وتتلون بحسب المتن أو الكتاب المقروء، وموضوعه وفكره المسطور، فحينما يكون الكتاب عقائديا، تكون الحواشي عقائدية توحيدية، وحينما يكون الكتاب حديثيا تكون التعليقات معاني للمتون النبوية، وشرحا لمصطلحات عارضة، وحينما يكون الكتاب متنا فقهيا، تكون فكا لمستغلق المتون الضيقة، وبيانا للأدلة والقواعد، وشيئا من التفريع الفقهي والخلافي.
ونرى في هذا السياق أن لا تكون الحاشية منتمية تمام الانتماء إلى العلم المقرر فيه هذا الكتاب، بل نرى جعلها متلونة، متنوعة تشمل الفقه والعقيدة والمعنى الحديثي والاصطلاحي اللغوي والشعري، بمعنى أنه كلما مر القارئ بشئ يحتاج إلى بيان أو تجلية أو تعزيز وترسيخ، علق ما يراه مناسبا له وللكتاب، بحيث يستطيع أن يجعله موسوعة معارف متنوعة، تغنيه عن الرجوع لمصادر أخرى، هي مظان لتلكم الفوائد.
بل لو تكلف القارئ الحصيف الحاشية حينئذ لكان حسنا، بحيث تكون كالتالي:
(1) بيان كل جملة غريبة، أو سياق غير واضح.
(2) كشف معنى كل آية قرآنية لا يدرك معناها.
(3) شرح كل مصطلح لغوي غير مفهوم، عبر كتب المعاجم وبيان ذلك المرجع بالرقم والصفحة.
(4) تعليق الشواهد الشعرية الماتعة المؤكدة للمعاني، والمجلية للأفكار والمرسخة للفهوم.
(5) إثبات الفوائد النادرة للأئمة، وكبار الأعلام والشيوخ، ومحاولة تحفظها وضبطها.
(6) تخريج الأحاديث غير المخرجة، وبيان أحكامها وعللها، لا سيما للمهتمين بعلوم الحديث.
وقد تظهر الحواشي ميول القارئ وعنايته بأشياء مخصوصة، وهذا شئ فطري لإيمكن تجاوزه، لكننا نؤكد هنا على ضرورة تسويد الكتاب أولا، وإغراقه بالفوائد والتعليقات، ثم تأتي مرحلة ثانية من النصح والنباهة تجعل القارئ لا يعلق إلا ما يفيده ويدعم عنده الفائدة المقصودة.
وقد يعقب ذلك الانتقال إلى الحواشي النقدية، التي تخطها أيدي الصفوة، والقراء النهمين العمالقة، الذين يثرون الكتاب بالرد والنقض، والتأييد والتعقيب، وهذه مرحلة متأخرة ستحصل وتتنامى مع شدة العمق القرائي، واستدامة النهج البحثي والمعرفي.
ومن صور التحشية انتهاج التخطيط والعلامات على جمل معينة أو مسائل محددة، أو إشكالات خاصة، وإن لم يكتب شيئا، لكنه خطط ورسم وعلم، بحيث يراجعها في يوم من الأيام، ويمكن أن نسميه هنا (ترميز القراءة).
وهي نوع من التحشية والفهرسة الجميلة للمقروء، بحيث يستخدم إشارات معينة للكلام الجزل المفيد، وإشارة خاصة لما يراد حفظه، وأخرى لما لا يفهمه، وأخرى لما يرى غثاثته، وعدم الحاجة إليه ... !!وهنا يمكن أن يستخدم الألوان المختلفة كالأزرق والأحمر والأخضر للمهم والمفيد والمثير والمحفوظ وهلم جرا ..
المهم أن يجسد صلته بالكتاب قراءة وحذقا وحاشية وخربشة، بحيث تمتلئ عيناه بالنظر إلى الكتاب، فتحفظ شكله ولونه وطريقه نظمه وكتابته، من طول النظر، ودوام التعليق وغزارة الإظلام المضئ، والتسويد المشرق."
وكل ما ذكره الرجل لا فائدة منه إلا فى الدراسات العليا وأما الطلاب الذى يتم تعليمهم فى المدارس والجامعات فالمطلوب هو تعليمهم أحكام الإسلام ببساطة ودون دخول فى متاهات
والحاشية الوحيدة المفيدة هى الحاشية النقدية والتى تختص فى الغالب ببيان أخطاء الكتاب ومخالفاته لكتاب الله وهذه يمكن نشرها فى كتاب دون الكتاب للأصلى لتقليل حجم الكتاب وكلفته فى زمن لم يعد أحد من القراء إلا النادر يملك مالا لشراء الكتب
وتحدث عما سماه الحاشية المنظمة فقال :
"التحشية المنظمة وسواها
مع استمرار القارئ الحصيف في التحشية، وانهماكه في حلوائها، سيبين له من خلال الكتابة وحذقها، أنه بإمكانه تنظيم الحاشية، وحصرها في نطاق علمي موحد.
حيث يعمد إلى متن نحو (صحيح البخاري) مثلا، فيعلق عليه خلاصة شروح البخاري كالفتح والمعالم والعمدة والإرشاد، والبهجة والكوثر وشبهها، بطريقة مختزلة مستخلصة، بحيث يفرغ من المتن قراءة، وقد دبجه بروائع المعاني المتفرقة في أمهات الشروح، مع ما قد يضيفه هو من فوائد، يفتحها الله عليه، ثم بعد ذلك يعدها للإلقاء والطرح والنشر.
أو يندفع إلى متى عقيدي (كالطحاوية) أو (الواسطية)، ويذيلها بحاشية مذهبة موزونة، تنصب في النطاق العلمي المخصوص، بلا تفريعات ولا هوامش دخيلات، إلى أن ينتهي إلى خلاصة عقدية جميلة لذلك المتن الشريف.
أو يكرس جهده لمتن فقهي في أحد المذاهب الأربعة المشهورة (كالهداية) عند الحنفية أو (أبي شجاع) عند الشافعية، أو (خليل) عند المالكية، أو (الزاد) عند الحنابلة، فيصب فيه رؤوس المعاني، الفاكة لعقد المتن، مذيلة بخلاف يسير في المذاهب، وتعليلات فقهية رائعة واستنتاجات هادئة، أو يملك نسخة من تفسير القرآن الكريم المختصرة، المطبوعة بذيل المصحف، فيضم إليها مختصرا تفسيريا رزينا من أحد التفاسير المشهورة، أو يلخص مضمون ثلاثة تفاسير جياد على نسخته الأصلية.
وقد جربت بحمد الله هذه الحاشية المنظمة على عدة كتب، كان من أهمها وأدقها حاشية تفسيرية على نسخة (الحافظ التجيبي) على تفسير ابن جرير الطبري، حيث طبعت بهامش القرآن، فامتلكتها وعلقت على هوامشها، عصارة ذهن ابن الجوزي الخلافية في كتابه الشهير (زاد المسير) ورغم ضيق الهامش، إلا أنني حاولت إدخال ما يمكن إدخاله من خلافات التفسير المفيدة، وأشعر بالحاجه الماسة إليها.
وإن كانت هذه حاشية متقدمة بجانب ما يفعله المبتدئ إلا أنها صورة تطبيقية لما نريد حكايته وترسيخه في المنهج العلمي للطلاب، وكانت الفوائد والعوائد واسعة النطاق على العبد الفقير، خرج منها بما يلي:
(1) ترسيخ المكتوب، وفهم مكامن الخلافيات التفسيرية.
(2) إدراك معالم منهج ابن الجوزي في التفسير، وسعته النقليه التي تتجاوز الوصف، ووعي ما قد يكون مأخذا عليه
(3) الالتذاذ التقييدي المباشر للقلم والكتابة، بحيث ترافقك اللذة، ويجانبك الملل، ولا تحسب حساب المكتوب والتعب.
(4) توسيع المدارك النقدية وبحيث يمكن فرز تلك المنقولات، ومقارنتها بأقوال أخرى تصاحبها، أو تفوقها صحة واستدلالا.
(5) معرفة كبار أئمة التفسير واللغة الذين يهتم بهم ابن الحوزي، ولا يكاد يتجاوزهم إلا قليلا.
(6) فهم تدبر القرآن، والعيش في ظلاله واستنباط دروسه وعظاته، التي لا تدرك إلا بشئ من النظر والأناة، والربط والمقارنة.
(7) الاحتكاك المباشر باللغة القرآنية، وحيازة مفرداتها وروائع تركيباتها، وهذا شئ يطول جدا، وهو علم بحد ذاته، حيث أتاح التفسير فهم تلك المفردات الغريبة والتي لا تفهم بمجرد حفظ القرآن، بل لابد من العود للتفاسير والشروحات.
- هذا ما يمكن أن نسميه (حاشية منظمة) تدور في فلك علمي، واحد بحيث إذا فرغ من الكتاب باتت ككتاب معلق أو شارح لذلك المتن الأصلي، أما سواها فهي (الحاشية العامة)، التي تجاوز حدود الفن الواحد، وتنفتح على سائر الفنون والعلوم والكتب والتعليقات، بحيث يكون فيها شمولية غزيزة لاحد لها، تثري الكتاب، وتثقف الطالب وتوسع مداركه، وتقدح زناده للمضاء والاستزاده والتوسع ..."
وكما سبق القول الحواشى بديلها المفيد هو نشر نقد القارىء فى كتاب بمفرده فهو أفيد للقارىء وأرخص سعرا عندما يتم نقل الفقرات التى تم التعليق عليها مع التعليق
وبالقطع لا يقرأ تلك الكتب المحشاة عند النشر إلا قلة ثم ترمى ولا يقرئها أحد لأنها لا تفيد جمهور القراء نظرا لضخامة عددها صفحاتها ومجلداتها
وتحدث عن التحشية فى عصرنا فقال :
"التحشية في عصر السرعة والمعلومات
عصرنا الذي نعيش فيه، تميز بالسرعة والتدفق المعرفي والمعلوماتي والاقتصادي العجيب.
بحيث أن حجم المعلومات المقذوفة في الساحة، لا يمكن للقارئ المجتهد بلوغها والإحاطة بها فضلا عن القارئ البسيط!!
هذا يتطلب من القارئ الفهم الحصيف، مضاعفة الجهد، وامتطاء السرعة، والمبادرة وتوفير الزمان، والتقليل من المباحات، وشحذ العزيمة، وتقدير قيمة العلم والمعرفة.
والشبهة هنا أن التحشية والتعليق تأخير وتخلف عن قافلة المسارعين وقنطرة المجيزين، مما يعني تراكم المعلومات، وتأخر الفهم، والتباعد الذهني، الذي سينعكس بتداعياته على الطالب والعالم والمثقف.
ولتجاوز ذلك الاهتمام بالقراءة أولا وانتهاء، والاكتفاء بالتخطيط العابر بالقلم الرصاص، لإنجاز قدر كبير من الكتب في الشهر الواحد.
وللجواب على هذه الشبهة:
(1) أولا: علينا ان نعي أن لكل وسيلة محاسنها وعيوبها، وهذا من عيوب التحشية، ولكن المحاسن المذكوره سلفا تغطي على هذا العيب، وتتجاوزه إلى النتيجة النوعية المدروكة من خلال الوصفات السابقة.
أما الهذ والهذرمة، والخطف، والسرعة، فهي وإن أنجزت كتبا لا تثمر نوعيا، ولا تحرك الأذهان ولا تصنع المثقفين والمبدعين.
ثانيا: مع دعوتنا إلى التقييد والحاشية، لا يعني الارتخاء والانبساط، بل يجب الأخذ بحزم، والسير بقوة، والتحرك باهتمام ومبادرة، لأن قراءة الكتاب بالتحشية نتجاوز قراءته بدون ذلك وقتا وزمانا، بحيث قد يتضاعف الزمان، ولكنك تعود بالإحسان، وذلك يختصر الزمان، وقد يبوء بالحرمان، فلا يخرج إلا بالاسم والرسم!! وربما نسي الكتاب ومؤلفه، برغم أنه ختمه، ولكن على عجل وبلا تعليق وتقييد!!.
ثالثا: التأخر المنتج خير من الاستعجال الفارغ، بحيث إنه قد يمر عليك شخص قراء يلتهم الكتب التهاما، ولكن حصليته العلمية، ووعاءه العرفي محدود والسبب دوام استعجاله الفارغ، واندفاعه الخاطف، وعزوفه عن الحاشية العلمية.
على أنه قد يوجد قارىء سريع، ولا يقيد، ولديه من الإمكانات الذهنية ما تجعله محيطا بمعالم ما يقرأ، لكننا هنا نرسم منهجا لجمهرة الطلاب، ونؤكد تفوق المحشي عل من سواه من المقتدرين والمسرعين، وهو منهج علمي قديم، سار عليه الأسلاف، وسنه فضلاء الناس، ومنهم الأذكياء والعباقرة، وهو فسيح الفائدة، وعظيم الثمرة والعائدة.