- إنضم
- 14/7/21
- المشاركات
- 2,589
- مستوى التفاعل
- 26
- النقاط
- 48
- الجنس
- ذكر
غير متصل
قراءة فى كتاب البكاء علي موتي المؤمنين
قراءة فى كتاب البكاء علي موتي المؤمنين
الكتاب إصدار مجمع العالمي لأهل البيت وهو تأليف جماعى وقد استهل بحديث عام عن البكاء جاء فيه:
"فكرة عامة حول البكاء
البكاء تعبير عن حاجة إنسانية يلجأ إليها الإنسان بطبيعته عندما تكتنفه صعوبات الحياة وآلامها فلا يملك إزاءها حولا ولا قوة تعينه علي الفرار منها خصوصا في اللحظات الحرجة فيتنفس عبر البكاء أو عندما يفاجأ بفقدان حبيب أو خسارة مادية أو معنوية فيختل توازنه النفسي فيندفع تلقائيا وبلا شعور فيستفرغ احتصاره وكبته عن طريق البكاء وهذه الحاجة لا تختص بعقيدة دون اخري لأن منشأ البكاء نفسي وفطري فإذا كان البكاء فطريا يلجأ إليه الإنسان عند الاختناق والهلع النفسي فيكون أداة لتفريغ الهموم والصدمات النفسية "
والخطأ هو أن البكاء يكون كله بسبب صعوبات الحياة وآلامها وهو ما يخالف وجود بكاء الفرح وبكاء الضحك حيث أن العيون من كثرة ضغط عضلات الوجه من كثرة الضحك تنزل دموع
وتحدث عن فوائد أخرى فقال:
"فهل يا تري للبكاء فوائد اخري يتضمنها أم يقتصر علي هذا الحد؟ أولا: لا يخلو البكاء من فوائد كثيرة منها الصحية والنفسية والسياسية نذكر فيما يلي قسما منها علي سبيل الاختصار
أ ـ إن البكاء يمثل منهجا لتزكية النفس من الأدران والذنوب خصوصا عندما يكون بدافع الندم والتوبة
ب ـ إن البكاء يرفع الإنسان الي درجة التحسس بآلام المحرومين والمظلومين في الأرض لأن البكاء يوقظ الضمير وينبه الوجدان في حالة الاعتراف بالتقصير أمام الله والخشية منه
ج ـ البكاء يعالج قسوة القلب المذمومة في الشريعة مثل الطبع علي القلب والختم عليه قال تعالي: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة) وقال تعالي: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين اوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون)
د ـ إن البكاء له بعد سياسي لأنه الطريق الأفضل لرفع الظلم واستنكار ممارسات الظالمين في الظرف الذي لا يسمح بالمواجهة وعندما يشعر الإنسان بأنه لا يقدر علي فعل شيء فيكون البكاء تعبيرا عن الرفض والمعارضة"
والبكاء يستعمل فى الشر كما يستعمل فى الخير الذى ذكره المؤلفون بدليل بكاء من فعلوا الشر وهم اخوة يوسف(ص) كما قال تعالى :
"وجاءوا أباهم عشاء يبكون"
وتحدث المؤلفون عن دوافع البكاء فقالوا:
ثانيا: ذكروا أن للبكاء الذي يلجأ إليه الإنسان ذاتيا دوافع فقد يبكي الإنسان عندما يفاجأ بخبر مفرح لم يتوقع تحققه إطلاقا كما يبكي الإنسان عندما يتعرض لحزن شديد أو لفزع أو لمداهمة من غريب أو وجع مؤلم أو رياء أو شكر أو بكاء من خشية الله "
وقسم المؤلفون البكاء حسب أحكام الله فقالوا:
"ثالثا: والبكاء من الناحية الشرعية له عدة أقسام:
أ ـ البكاء من خشية الله: فقد جاء في الحث علي هذا القسم عدد من الآيات والروايات نذكر منها:
ـ قوله تعالي: (إن الذين اوتوا العلم من قبله إذا يتلي عليهم يخرون للأذقان سجدا)
- ويقولون( سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا - ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا)
ـ قوله تعالي: (اولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلي علهيم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا)
ـ وحث رسول الله (ص) علي البكاء فقال: «لا تري النار عين بكت من خشية الله ولا عين سهرت في سبيل الله»
ـ وجاء عنه (ص) «ما من قطرة أحب الي الله من قطرة دم في سبيل الله وقطرة دموع قطرت من عين رجل في جوف الليل من خشية الله»
ولما كان البكاء مطلوبا ومحبوبا عند الله سبحانه; فقد نجد الأنبياء (ص)قد بكوا في مواطن متعددة ـ بكي آدم علي خطيئته مائة سنة وما رفع رأسه الي السماء بعد ذلك حياء من ربه وقيل بأن نوحا النبي إنما سمي نوحا لأنه كان نواحا
ـ أما كثرة البكاء عند النبي داود فنسبتها «لو عدل بكاء داود بكاء أهل الأرض بعد آدم لعدل بكاء داود بكاء أهل الأرض» ـ وأما المثل الذي ضربه النبي يحيي في البكاء فهو كما قيل: «كان يحيي بن زكريا له خطان في خديه من البكاء فقال له أبوه زكريا: إنما سألت الله ولدا تقر به عيني فقال: يا أبه! إن جبرئيل أخبرني أن بين الجنة والنار مفازة لا يقطعها إلا كل بكاء» "
والخطأ هو حث الشرع على البكاء وهو ما يتناقض مع نهى الله عن الحزن كما قال تعالى :
"ولا تحزن عليهم"
ونهى النبى(ص) صاحبه فى الغار :
" لا تحزن إن الله معنا"
والمعروف أن البكاء غالبا ما ينتج من الحزن ومن ثم فالبكاء ليس مطلوبا فى الشرع إلا فى المواقف العفوية كبكاء الذين لا يجدون مالا للذهاب للجهاد كما قال تعالى :
"ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون"
ثم قالوا عن البكاء فى العبادات :
"ب: البكاء أثناء العبادات: منها البكاء عند قراءة القرآن والبكاء عند الصلاة والبكاء عند الدعاء"
والبكاء المذكور فى القرآن لا يعنى الحزن ولا إنزال الدموع وإنما يعنى طاعة الله كما فى قوله :
" ويخرون للأذقان يبكون"
فالأذقان لا تنزل على الأرض وحتى فى أثناء السجود المعروف يمنع الأنف الأذقان من النزول وإنما المعنى يعملون للنفوس يطيعون
ثم قالوا عن البكاء الأشهر عند المصائب :
" ج: البكاء عند فقدان الأحبة والشهداء والصلحاء والمؤمنين والبكاء علي موتي المؤمنين هو أحد الموارد المشروعة التي ندبت إليها الشريعة ولا يمكن تجزئته عن أنواع البكاء الاخري لكن البعض ذهب الي حرمته وعدم جوازه محتجا ببعض الروايات التي لم يثبت صدورها عن رسول الله أو أنها حملت علي الحرمة من هنا سوف نتناول هذه المسألة ضمن عدد من المباحث في منشأ الخلاف في حرمة البكاء وفي سيرة الرسول (ص) وبكائه علي موتي المؤمنين وفي سيرة المسلمين قبل وفاة الرسول وبعد وفاة الرسول (ص) وما ورد عن أئمة أهل البيت (ص)في البكاء ثم أحكام البكاء عند الإمامية وأدلتها الشرعية لندرك بعد ذلك الطريق الصحيح الذي ينسجم مع اصول الشريعة الغراء"
وهذا الموضوع وهو البكاء على الموتى هو موضوع الكتاب وقد تحدث القوم عن بدايته فقالوا:
منشأ الخلاف في حرمة البكاء علي موتي المؤمنين:
إن منشأ الخلاف في مسألة حرمة البكاء علي موتي المؤمنين يرجع لرواية عمر بن الخطاب وابنه عبدالله عن النبي (ص) أنه قال: «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» وقد نقلت هذه الرواية بعدة ألفاظ منها ببعض بكاء أهله عليه ومنها ببكاء الحي عليه ومنها يعذب في قبره بما نيح عليه ولا عبرة باختلاف الألفاظ لأن هذه الروايات كلها من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبدالله ووقف الصحابة من هذه الرواية موقف المعارض ونعتوا راويها بالخطأ أو النسيان لأنها تعارض القرآن الكريم وأن رسول لله (ص) لم يقل ذلك وإنما قال: «إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه» إلي غير ذلك من الردود
موقف عائشة من الرواية و من حرمة البكاء
عن ابن أبي مليكة قال: (توفيت بنت لعثمان بن عفان بمكة فجئنا نشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس وأني لجالس بينهما فقال عبدالله بن عمر لعمرو بن عثمان ـ وهو مواجهه ـ: ألا تنهي عن البكاء؟! فإن رسول الله (ص) قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه؟!) فقال ابن عباس: قد كان عمر يقول بعض ذلك ثم حدث فقال: صدرت مع عمر من مكة حتي إذا كنا بالبيداء فإذا هو بركب تحت ظل شجرة فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ فنظرت فإذا هو صهيب قال: فأخبرته فقال: ادعه فرجعت إلي صهيب فقلت: ارتحل فالحق بأمير المؤمنين فلما أن اصيب عمر: دخل صهيب يبكي يقول: وا أخاه واصاحباه! فقال عمر: يا صهيب أتبكي علي وقد قال رسول الله (ص): إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه؟ فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله عمر لا والله ما حدث رسول الله (ص): إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ولكن قال: إن الله يزيد الكافر ببكاء أهله عليه وقالت عائشة: حسبكم القرآن: (ألا تزر وازرة وزر اخري) قال ابن عباس عند ذلك: والله أضحك وأبكي قال ابن أبي مليكة: فما قال ابن عمر شيئا وفي رواية قال ابن أبي مليكة: ذكرت الحديث لعائشة فقالت: أما والله ما تحدثون هذا الحديث عن كاذبين مكذبين ولكن السمع يخطئ وإن لكم في القرآن لما يشفيكم: (ألا تزر وازرة وزر اخري) ولكن رسول الله (ص) قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه
وعن عمرة بنت عبدالرحمن قالت: سمعت عائشة وذكر لها أن عبدالله بن عمر يقول: «إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه» نقول يغفر الله لأبي عبدالرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو خطأ وإنما مر رسول الله (ص) علي يهودية يبكي عليها فقال: «إنه ليبكي عليها وأنها لتعذب في قبرها» أخرجه الجماعة إلا أبا داود» وفي رواية قالت: يرحمه الله لم يكذب ولكنه وهم إنما قال رسول الله (ص) لرجل مات يهوديا: إن الميت ليعذب وإنهم ليبكون عليه وكانت عائشة مع عمر في هذه المسألة علي طرفي نقيض فقد ناحت علي أبيها يوم وفاته خلافا لنهي عمر وعن سعيد بن المسيب أنه قال: لما توفي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح فأقبل عمر بن الخطاب حتي قام ببابها فنهاههن عن البكاء عليه فأبين أن ينتهين فقال عمر لهشام بن الوليد: ادخل فأخرج الي ابنة أبي قحافة فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر: إني احرج عليك بيتي فقال عمر لهشام: ادخل فقد أذنت لك فدخل هشام فأخرج ام فروة اخت أبي بكر إلي عمر فعلاها بالدرة فضربها ضربات فتفرق النوح حين سمعوا ذلك
موقف ابن عباس
اتضح موقف ابن عباس في مسألة البكاء علي موتي المؤمنين ومعارضته لرواية عمر بقوله السابق الذكر
موقف أبي هريرة
أما أبو هريرة فقد قال: (مات ميت من آل رسول الله (ص) فاجتمع النساء يبكين عليه فقام عمر ينهاهن ويطردهن فقال رسول الله (ص): «دعهن يا عمر فإن العين دامعة والقلب مصاب والعهد قريب» "
الأحاديث السابقة كلها تنسب لعمر الجهل وهى أحاديث موضوعة مثلها مثل الأحاديث التى تبرر وهمه فلو أن الأحاديث المبررة اتفقت على سبب واحد فيه لكان مقبولا طالما كان صحيحا ولكنها ذكرت سببين متناقضين الأول زيادة عذاب الكافر ببكاء أهله عليه وهى قولهم:
إن الله يزيد الكافر ببكاء أهله عليه "
الثانى أنه لا زيادة فى العذاب وإنما تعذب فى القبر
إنه ليبكي عليها وأنها لتعذب في قبرها"
الغريب أن الروايتين عن عائشة واظهارها بمظهر الجاهلة هى ألأخرى فالمتكلم يتكلم بمنطق واحد وليس بمنطقين
وتحدثوا عن تعارض الأحاديث فقالوا :
تعارض روايات تحريم البكاء مع روايات جوازه
"ورد عدد من الروايات التي ادعي أنها تدل علي نهي النبي (ص) عن البكاء فمع قطع النظر عن ضعفها وعدم صلاحيتها للتعارض تبقي لا تنهض بدليلها حتي لو سلمنا فرض صحتها لأنها بطبيعة الحال تتعارض مع الروايات القائلة بجواز البكاء وكونه من سيرة رسول الله (ص) علي من رآه مشرفا علي الموت وعلي من توفي شهيدا أو غير شهيد وعلي قبر المتوفي وأن استدراك عائشة وأقوال الصحابة من كون روايات النهي محصورة بالخليفة الثاني وابنه عبدالله وأنها ناشئة من الخطأ والنسيان وأن رسول الله لم ينه عن البكاء يجعلنا أن نعرض عن روايات النهي ونتمسك بسيرة رسول الله (ص) القائمة علي جواز البكاء"
والغريب فى الكتاب أن الشيعة لا يذكرون الروايات عندهم فى الموضوع مع أنها تقريبا نفس الروايات عند السنة وكأنه هذا التناقض عند السنة وحدهم وليس عندهم وكان من العدل ذكر روايات الفريقين وليس الاقتصار على أحاديث السنة فقط
ثم تحدثوا عن أن روايات النهى عن البكاء تتعارض مع القرآن وهو كلام صحيح فقالوا:
"تعارض مضمون روايات تحريم البكاء مع مفاهيم القرآن الكريم
والذي يلاحظ مضمون روايات تحريم البكاء يجد أن هذه الروايات تنسب العقوبة لغير فاعل الذنب وهي بذلك تخالف نصوص القرآن الكريم التي لا تحمل الذنب إلا علي فاعله قال تعالي: (ألا تزر وازرة وزر اخري) الوزر: هنا بمعني الإثم والذنب المثقل للظهر والوازرة النفس المذنبة التي تذنب والمراد: لا يحمل أحد من المذنبين ذنب غيره وقال تعالي: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعي) وقال تعالي: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره - ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) وقال تعالي: (لتجزي كل نفس بما تسعي) "
وحاول القوم الايتدلال على البكاؤ بروايات هى :
وقبل أن نختتم البحث نذكر بأن هناك روايات استدل بها البعض علي جواز البكاء قبل الموت لا بعده جاءت بألفاظ متقاربة في معناها من كون البكاء محرما بعد الموت منها: ما جاء عن عبدالله بن عمير عن جبر: (أنه دخل مع النبي (ص) علي ميت فبكي النساء فقال جبر: أتبكين؟ لا تبكين ما دام رسول الله (ص) جالسا قال رسول الله (ص): «دعهن يبكين ما دام بينهن فإذا وجب فلا تبكين عليه باكية» ويحمل هذا الحديث علي رفع الصوت عاليا وخمش الوجوه لأن النبي (ص) لما بكي وقال عبدالرحمن: أولم تكن نهيت عن البكاء؟ قال: «لا ولكن نهيت عن صوتين فاجرين: صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان»
الكتاب إصدار مجمع العالمي لأهل البيت وهو تأليف جماعى وقد استهل بحديث عام عن البكاء جاء فيه:
"فكرة عامة حول البكاء
البكاء تعبير عن حاجة إنسانية يلجأ إليها الإنسان بطبيعته عندما تكتنفه صعوبات الحياة وآلامها فلا يملك إزاءها حولا ولا قوة تعينه علي الفرار منها خصوصا في اللحظات الحرجة فيتنفس عبر البكاء أو عندما يفاجأ بفقدان حبيب أو خسارة مادية أو معنوية فيختل توازنه النفسي فيندفع تلقائيا وبلا شعور فيستفرغ احتصاره وكبته عن طريق البكاء وهذه الحاجة لا تختص بعقيدة دون اخري لأن منشأ البكاء نفسي وفطري فإذا كان البكاء فطريا يلجأ إليه الإنسان عند الاختناق والهلع النفسي فيكون أداة لتفريغ الهموم والصدمات النفسية "
والخطأ هو أن البكاء يكون كله بسبب صعوبات الحياة وآلامها وهو ما يخالف وجود بكاء الفرح وبكاء الضحك حيث أن العيون من كثرة ضغط عضلات الوجه من كثرة الضحك تنزل دموع
وتحدث عن فوائد أخرى فقال:
"فهل يا تري للبكاء فوائد اخري يتضمنها أم يقتصر علي هذا الحد؟ أولا: لا يخلو البكاء من فوائد كثيرة منها الصحية والنفسية والسياسية نذكر فيما يلي قسما منها علي سبيل الاختصار
أ ـ إن البكاء يمثل منهجا لتزكية النفس من الأدران والذنوب خصوصا عندما يكون بدافع الندم والتوبة
ب ـ إن البكاء يرفع الإنسان الي درجة التحسس بآلام المحرومين والمظلومين في الأرض لأن البكاء يوقظ الضمير وينبه الوجدان في حالة الاعتراف بالتقصير أمام الله والخشية منه
ج ـ البكاء يعالج قسوة القلب المذمومة في الشريعة مثل الطبع علي القلب والختم عليه قال تعالي: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة) وقال تعالي: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين اوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون)
د ـ إن البكاء له بعد سياسي لأنه الطريق الأفضل لرفع الظلم واستنكار ممارسات الظالمين في الظرف الذي لا يسمح بالمواجهة وعندما يشعر الإنسان بأنه لا يقدر علي فعل شيء فيكون البكاء تعبيرا عن الرفض والمعارضة"
والبكاء يستعمل فى الشر كما يستعمل فى الخير الذى ذكره المؤلفون بدليل بكاء من فعلوا الشر وهم اخوة يوسف(ص) كما قال تعالى :
"وجاءوا أباهم عشاء يبكون"
وتحدث المؤلفون عن دوافع البكاء فقالوا:
ثانيا: ذكروا أن للبكاء الذي يلجأ إليه الإنسان ذاتيا دوافع فقد يبكي الإنسان عندما يفاجأ بخبر مفرح لم يتوقع تحققه إطلاقا كما يبكي الإنسان عندما يتعرض لحزن شديد أو لفزع أو لمداهمة من غريب أو وجع مؤلم أو رياء أو شكر أو بكاء من خشية الله "
وقسم المؤلفون البكاء حسب أحكام الله فقالوا:
"ثالثا: والبكاء من الناحية الشرعية له عدة أقسام:
أ ـ البكاء من خشية الله: فقد جاء في الحث علي هذا القسم عدد من الآيات والروايات نذكر منها:
ـ قوله تعالي: (إن الذين اوتوا العلم من قبله إذا يتلي عليهم يخرون للأذقان سجدا)
- ويقولون( سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا - ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا)
ـ قوله تعالي: (اولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلي علهيم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا)
ـ وحث رسول الله (ص) علي البكاء فقال: «لا تري النار عين بكت من خشية الله ولا عين سهرت في سبيل الله»
ـ وجاء عنه (ص) «ما من قطرة أحب الي الله من قطرة دم في سبيل الله وقطرة دموع قطرت من عين رجل في جوف الليل من خشية الله»
ولما كان البكاء مطلوبا ومحبوبا عند الله سبحانه; فقد نجد الأنبياء (ص)قد بكوا في مواطن متعددة ـ بكي آدم علي خطيئته مائة سنة وما رفع رأسه الي السماء بعد ذلك حياء من ربه وقيل بأن نوحا النبي إنما سمي نوحا لأنه كان نواحا
ـ أما كثرة البكاء عند النبي داود فنسبتها «لو عدل بكاء داود بكاء أهل الأرض بعد آدم لعدل بكاء داود بكاء أهل الأرض» ـ وأما المثل الذي ضربه النبي يحيي في البكاء فهو كما قيل: «كان يحيي بن زكريا له خطان في خديه من البكاء فقال له أبوه زكريا: إنما سألت الله ولدا تقر به عيني فقال: يا أبه! إن جبرئيل أخبرني أن بين الجنة والنار مفازة لا يقطعها إلا كل بكاء» "
والخطأ هو حث الشرع على البكاء وهو ما يتناقض مع نهى الله عن الحزن كما قال تعالى :
"ولا تحزن عليهم"
ونهى النبى(ص) صاحبه فى الغار :
" لا تحزن إن الله معنا"
والمعروف أن البكاء غالبا ما ينتج من الحزن ومن ثم فالبكاء ليس مطلوبا فى الشرع إلا فى المواقف العفوية كبكاء الذين لا يجدون مالا للذهاب للجهاد كما قال تعالى :
"ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون"
ثم قالوا عن البكاء فى العبادات :
"ب: البكاء أثناء العبادات: منها البكاء عند قراءة القرآن والبكاء عند الصلاة والبكاء عند الدعاء"
والبكاء المذكور فى القرآن لا يعنى الحزن ولا إنزال الدموع وإنما يعنى طاعة الله كما فى قوله :
" ويخرون للأذقان يبكون"
فالأذقان لا تنزل على الأرض وحتى فى أثناء السجود المعروف يمنع الأنف الأذقان من النزول وإنما المعنى يعملون للنفوس يطيعون
ثم قالوا عن البكاء الأشهر عند المصائب :
" ج: البكاء عند فقدان الأحبة والشهداء والصلحاء والمؤمنين والبكاء علي موتي المؤمنين هو أحد الموارد المشروعة التي ندبت إليها الشريعة ولا يمكن تجزئته عن أنواع البكاء الاخري لكن البعض ذهب الي حرمته وعدم جوازه محتجا ببعض الروايات التي لم يثبت صدورها عن رسول الله أو أنها حملت علي الحرمة من هنا سوف نتناول هذه المسألة ضمن عدد من المباحث في منشأ الخلاف في حرمة البكاء وفي سيرة الرسول (ص) وبكائه علي موتي المؤمنين وفي سيرة المسلمين قبل وفاة الرسول وبعد وفاة الرسول (ص) وما ورد عن أئمة أهل البيت (ص)في البكاء ثم أحكام البكاء عند الإمامية وأدلتها الشرعية لندرك بعد ذلك الطريق الصحيح الذي ينسجم مع اصول الشريعة الغراء"
وهذا الموضوع وهو البكاء على الموتى هو موضوع الكتاب وقد تحدث القوم عن بدايته فقالوا:
منشأ الخلاف في حرمة البكاء علي موتي المؤمنين:
إن منشأ الخلاف في مسألة حرمة البكاء علي موتي المؤمنين يرجع لرواية عمر بن الخطاب وابنه عبدالله عن النبي (ص) أنه قال: «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» وقد نقلت هذه الرواية بعدة ألفاظ منها ببعض بكاء أهله عليه ومنها ببكاء الحي عليه ومنها يعذب في قبره بما نيح عليه ولا عبرة باختلاف الألفاظ لأن هذه الروايات كلها من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبدالله ووقف الصحابة من هذه الرواية موقف المعارض ونعتوا راويها بالخطأ أو النسيان لأنها تعارض القرآن الكريم وأن رسول لله (ص) لم يقل ذلك وإنما قال: «إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه» إلي غير ذلك من الردود
موقف عائشة من الرواية و من حرمة البكاء
عن ابن أبي مليكة قال: (توفيت بنت لعثمان بن عفان بمكة فجئنا نشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس وأني لجالس بينهما فقال عبدالله بن عمر لعمرو بن عثمان ـ وهو مواجهه ـ: ألا تنهي عن البكاء؟! فإن رسول الله (ص) قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه؟!) فقال ابن عباس: قد كان عمر يقول بعض ذلك ثم حدث فقال: صدرت مع عمر من مكة حتي إذا كنا بالبيداء فإذا هو بركب تحت ظل شجرة فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ فنظرت فإذا هو صهيب قال: فأخبرته فقال: ادعه فرجعت إلي صهيب فقلت: ارتحل فالحق بأمير المؤمنين فلما أن اصيب عمر: دخل صهيب يبكي يقول: وا أخاه واصاحباه! فقال عمر: يا صهيب أتبكي علي وقد قال رسول الله (ص): إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه؟ فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله عمر لا والله ما حدث رسول الله (ص): إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ولكن قال: إن الله يزيد الكافر ببكاء أهله عليه وقالت عائشة: حسبكم القرآن: (ألا تزر وازرة وزر اخري) قال ابن عباس عند ذلك: والله أضحك وأبكي قال ابن أبي مليكة: فما قال ابن عمر شيئا وفي رواية قال ابن أبي مليكة: ذكرت الحديث لعائشة فقالت: أما والله ما تحدثون هذا الحديث عن كاذبين مكذبين ولكن السمع يخطئ وإن لكم في القرآن لما يشفيكم: (ألا تزر وازرة وزر اخري) ولكن رسول الله (ص) قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه
وعن عمرة بنت عبدالرحمن قالت: سمعت عائشة وذكر لها أن عبدالله بن عمر يقول: «إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه» نقول يغفر الله لأبي عبدالرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو خطأ وإنما مر رسول الله (ص) علي يهودية يبكي عليها فقال: «إنه ليبكي عليها وأنها لتعذب في قبرها» أخرجه الجماعة إلا أبا داود» وفي رواية قالت: يرحمه الله لم يكذب ولكنه وهم إنما قال رسول الله (ص) لرجل مات يهوديا: إن الميت ليعذب وإنهم ليبكون عليه وكانت عائشة مع عمر في هذه المسألة علي طرفي نقيض فقد ناحت علي أبيها يوم وفاته خلافا لنهي عمر وعن سعيد بن المسيب أنه قال: لما توفي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح فأقبل عمر بن الخطاب حتي قام ببابها فنهاههن عن البكاء عليه فأبين أن ينتهين فقال عمر لهشام بن الوليد: ادخل فأخرج الي ابنة أبي قحافة فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر: إني احرج عليك بيتي فقال عمر لهشام: ادخل فقد أذنت لك فدخل هشام فأخرج ام فروة اخت أبي بكر إلي عمر فعلاها بالدرة فضربها ضربات فتفرق النوح حين سمعوا ذلك
موقف ابن عباس
اتضح موقف ابن عباس في مسألة البكاء علي موتي المؤمنين ومعارضته لرواية عمر بقوله السابق الذكر
موقف أبي هريرة
أما أبو هريرة فقد قال: (مات ميت من آل رسول الله (ص) فاجتمع النساء يبكين عليه فقام عمر ينهاهن ويطردهن فقال رسول الله (ص): «دعهن يا عمر فإن العين دامعة والقلب مصاب والعهد قريب» "
الأحاديث السابقة كلها تنسب لعمر الجهل وهى أحاديث موضوعة مثلها مثل الأحاديث التى تبرر وهمه فلو أن الأحاديث المبررة اتفقت على سبب واحد فيه لكان مقبولا طالما كان صحيحا ولكنها ذكرت سببين متناقضين الأول زيادة عذاب الكافر ببكاء أهله عليه وهى قولهم:
إن الله يزيد الكافر ببكاء أهله عليه "
الثانى أنه لا زيادة فى العذاب وإنما تعذب فى القبر
إنه ليبكي عليها وأنها لتعذب في قبرها"
الغريب أن الروايتين عن عائشة واظهارها بمظهر الجاهلة هى ألأخرى فالمتكلم يتكلم بمنطق واحد وليس بمنطقين
وتحدثوا عن تعارض الأحاديث فقالوا :
تعارض روايات تحريم البكاء مع روايات جوازه
"ورد عدد من الروايات التي ادعي أنها تدل علي نهي النبي (ص) عن البكاء فمع قطع النظر عن ضعفها وعدم صلاحيتها للتعارض تبقي لا تنهض بدليلها حتي لو سلمنا فرض صحتها لأنها بطبيعة الحال تتعارض مع الروايات القائلة بجواز البكاء وكونه من سيرة رسول الله (ص) علي من رآه مشرفا علي الموت وعلي من توفي شهيدا أو غير شهيد وعلي قبر المتوفي وأن استدراك عائشة وأقوال الصحابة من كون روايات النهي محصورة بالخليفة الثاني وابنه عبدالله وأنها ناشئة من الخطأ والنسيان وأن رسول الله لم ينه عن البكاء يجعلنا أن نعرض عن روايات النهي ونتمسك بسيرة رسول الله (ص) القائمة علي جواز البكاء"
والغريب فى الكتاب أن الشيعة لا يذكرون الروايات عندهم فى الموضوع مع أنها تقريبا نفس الروايات عند السنة وكأنه هذا التناقض عند السنة وحدهم وليس عندهم وكان من العدل ذكر روايات الفريقين وليس الاقتصار على أحاديث السنة فقط
ثم تحدثوا عن أن روايات النهى عن البكاء تتعارض مع القرآن وهو كلام صحيح فقالوا:
"تعارض مضمون روايات تحريم البكاء مع مفاهيم القرآن الكريم
والذي يلاحظ مضمون روايات تحريم البكاء يجد أن هذه الروايات تنسب العقوبة لغير فاعل الذنب وهي بذلك تخالف نصوص القرآن الكريم التي لا تحمل الذنب إلا علي فاعله قال تعالي: (ألا تزر وازرة وزر اخري) الوزر: هنا بمعني الإثم والذنب المثقل للظهر والوازرة النفس المذنبة التي تذنب والمراد: لا يحمل أحد من المذنبين ذنب غيره وقال تعالي: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعي) وقال تعالي: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره - ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) وقال تعالي: (لتجزي كل نفس بما تسعي) "
وحاول القوم الايتدلال على البكاؤ بروايات هى :
وقبل أن نختتم البحث نذكر بأن هناك روايات استدل بها البعض علي جواز البكاء قبل الموت لا بعده جاءت بألفاظ متقاربة في معناها من كون البكاء محرما بعد الموت منها: ما جاء عن عبدالله بن عمير عن جبر: (أنه دخل مع النبي (ص) علي ميت فبكي النساء فقال جبر: أتبكين؟ لا تبكين ما دام رسول الله (ص) جالسا قال رسول الله (ص): «دعهن يبكين ما دام بينهن فإذا وجب فلا تبكين عليه باكية» ويحمل هذا الحديث علي رفع الصوت عاليا وخمش الوجوه لأن النبي (ص) لما بكي وقال عبدالرحمن: أولم تكن نهيت عن البكاء؟ قال: «لا ولكن نهيت عن صوتين فاجرين: صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان»