- إنضم
- 14/7/21
- المشاركات
- 2,589
- مستوى التفاعل
- 26
- النقاط
- 48
- الجنس
- ذكر
غير متصل
{ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ
تم تعديل الموضوع
إدارة المنتدى
{ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
{ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٥٧]
- تفسير ابن كثير:
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا دَفَعَهُ عَنْهُمْ مِنَ النِّقَمِ، شَرَعَ يُذَكِّرُهُمْ -أَيْضًا-بِمَا أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، فَقَالَ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ وَهُوَ جَمْعُ غَمَامَةٍ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَغُمّ السَّمَاءَ، أَيْ: يُوَارِيهَا وَيَسْتُرُهَا. وَهُوَ السَّحَابُ الْأَبْيَضُ، ظُلِّلوا بِهِ فِي التِّيهِ لِيَقِيَهُمْ حَرَّ الشَّمْسِ. كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ الفُتُون، قَالَ: ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمْ فِي التِّيهِ بِالْغَمَامِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَأَبِي مِجْلَزٍ، وَالضَّحَاكِ، وَالسُّدِّيِّ، نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [قَالَ] (1) كَانَ هَذَا فِي الْبَرِّيَّةِ (2) ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ مِنَ الشَّمْسِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ (3) قَالَ آخَرُونَ: وَهُوَ غَمَامٌ أَبْرَدُ مِنْ هَذَا، وَأَطْيَبُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ (4) قَالَ: لَيْسَ بِالسَّحَابِ، هُوَ الْغَمَامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لَهُمْ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ إبراهيم، عن أبي حذيفة.
وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ زِيّ هَذَا السَّحَابِ، بَلْ أَحْسَنُ مِنْهُ وَأَطْيَبُ وَأَبْهَى مَنْظَرًا، كَمَا قَالَ سُنَيْدٌ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ قَالَ: غَمَامٌ أَبْرَدُ مِنْ هَذَا وَأَطْيَبُ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٠] وَهُوَ الَّذِي جَاءَتْ فِيهِ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ مَعَهُمْ فِي التِّيهِ.
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْمَنِّ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَلَى الْأَشْجَارِ، فَيَغْدُونَ إِلَيْهِ فَيَأْكُلُونَ منه ما شاؤوا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَنُّ: صَمْغَةٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمَنُّ: شَيْءٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الطَّلِّ، شِبْهُ الرِّبِ الْغَلِيظِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالُوا: يَا مُوسَى، كَيْفَ لَنَا بِمَا هَاهُنَا؟ أَيْنَ الطَّعَامُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ، فَكَانَ يَسْقُطُ عَلَى شَجَرِ (5) الزَّنْجَبِيلِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ فِي مَحَلَّتِهِمْ (6) سُقُوطَ الثَّلْجِ، أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ؛ فَإِذَا تَعَدَّى ذَلِكَ فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ سَادِسِهِ، لِيَوْمِ جُمُعَتِهِ، أَخَذَ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِ سَادِسِهِ وَيَوْمِ سَابِعِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ عِيدٍ لَا يَشْخَصُ فِيهِ لِأَمْرِ مَعِيشَتِهِ وَلَا يَطْلُبُهُ لِشَيْءٍ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْبَرِّيَّةِ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْمَنُّ شَرَابٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الْعَسَلِ، فَيَمْزُجُونَهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَشْرَبُونَهُ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ -وَسُئِلَ عَنِ الْمَنِّ-فَقَالَ: خُبْزُ الرُّقَاقِ مِثْلَ الذُّرَةِ أَوْ مِثْلُ النَقيِّ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَامِرٍ وَهُوَ الشَّعْبِيُّ، قَالَ: عَسَلُكُمْ هَذَا جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ الْمَنِّ.
وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: إِنَّهُ الْعَسَلُ.
وَوَقَعَ فِي شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، حَيْثُ قَالَ:
فَرَأَى اللَّهُ أَنَّهُمْ بِمَضِيعٍ ... لَا بِذِي مَزْرَعٍ وَلَا مَثْمُورَا ...
فَسَنَاهَا عَلَيْهِمُ غَادِيَاتٍ ... وَتَرَى مُزْنَهُمْ خَلَايَا وَخُورَا ...
عَسَلًا نَاطِفًا وَمَاءً فُرَاتًا ... وحليبا ذا بهجة مرمورا (7) فَالنَّاطِفُ: هُوَ السَّائِلُ، وَالْحَلِيبُ الْمَرْمُورُ: الصَّافِي مِنْهُ.
وَالْغَرَضُ أَنَّ عِبَارَاتِ الْمُفَسِّرِينَ مُتَقَارِبَةٌ فِي شَرْحِ الْمَنِّ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالطَّعَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالشَّرَابِ، وَالظَّاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُ (8) كُلُّ مَا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ (9) ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ عَمَلٌ وَلَا كَدٌّ، فَالْمَنُّ الْمَشْهُورُ إِنْ أُكِلَ وَحْدَهُ كَانَ طَعَامًا وَحَلَاوَةً، وَإِنْ مُزِجَ مَعَ الْمَاءِ صَارَ شَرَابًا طَيِّبًا، وَإِنْ رُكِّبَ مَعَ غَيْرِهِ صَارَ نَوْعًا آخَرَ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ وَحْدَهُ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ:
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ عبد الملك، عن عمر بْنِ حُرَيْثٍ (10) عَنْ سَعِيدِ (11) بْنِ زَيْدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، بِهِ (12) .
وَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمْ، إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، بِهِ (13) . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْحَكَمِ، عَنِ الْحَسَنِ العُرَني، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، بِهِ (14) .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَرِ وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلان، قَالَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ، وَالْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ" (15) .
تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ التِّرْمِذِيُّ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، وَإِلَّا مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ (16) بْنِ عَامِرٍ، عَنْهُ، وَفِي الْبَابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ.
كَذَا قَالَ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ (17) بْنِ أَحْمَدَ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَسْلَمُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ قَتَادَةَ (18) عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ".
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هذا سلمي واسطي، يكنى بأبي مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ: أَبُو سُلَيْمَانَ الْمُؤَدِّبُ قَالَ فِيهِ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ: رَوَى عَنْ قَتَادَةَ أَشْيَاءَ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا (19) .
ثُمَّ قَالَ [التِّرْمِذِيُّ] (20) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: الْكَمْأَةُ جُدَرِيُّ الْأَرْضِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، بِهِ (21) . وَعَنْهُ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ (22) . وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ. بِقِصَّةِ الْكَمْأَةِ فَقَطْ (23) .
وَرَوَى النَّسَائِيُّ -أَيْضًا-وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ شَهْرٍ: بِقِصَّةِ الْعَجْوَةِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَبِالْقِصَّتَيْنِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ (24) .
وَهَذِهِ الطَّرِيقُ مُنْقَطِعَةٌ بَيْنَ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ (25) مِنْهُ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْوَلِيمَةِ مِنْ سُنَنِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الدِّرْهَمِيِّ (26) عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يَذْكُرُونَ الْكَمْأَةَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ (27) جُدَرِيُّ الْأَرْضِ، فَقَالَ: "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ" (28) .
وَرُوِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ وَالْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ" (29) .
قَالَ (30) النَّسَائِيُّ فِي الْوَلِيمَةِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ" (31) . ثُمَّ رَوَاهُ -أَيْضًا-، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ شَهْرٍ، عَنْهُمَا، بِهِ (32) .
وَقَدْ رَوَيَا (33) -أَعْنِي النَّسَائِيَّ (34) وَابْنَ مَاجَهْ-مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ (35) كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، زَادَ النَّسَائِيُّ: [وَحَدِيثِ] (36) جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ" (37) .
وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، عَنْ لَاحِقِ بْنِ صَوَابٍ (38) عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ (39) عَنِ الْأَعْمَشِ، كَابْنِ مَاجَهْ.
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ (40) بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كَمَآتٌ، فَقَالَ: "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ".
وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الرَّبِيعِ (41) ثُمَّ [رَوَاهُ] (42) ابْنُ مَرْدَوَيْهِ. رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ (43) عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ، وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى [بِهِ] (44) (45) .
وَقَدْ رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حَمْدُونُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا حَوْثَرَةُ بْنُ أَشْرَسَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ (46) عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ (47) ﷺ تَدَارَؤُوا (48) فِي الشَّجَرَةِ الَّتِي اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَحْسَبُهُ الْكَمْأَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ من الجنة، وفيها شفاء من السم" (49) .
وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ أَصْلُهُ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (50) (51) .
[وَقَدْ] (52) رُوِيَ عَنْ شَهْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ -أَيْضًا-فِي الْوَلِيمَةِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ الخَرّاز، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَدَّادِ، عَنْ عَبْدِ الْجَلِيلِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ شَهْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ" (53) .
فَقَدِ اخْتَلَفَ -كَمَا تَرَى فِيهِ-عَلَى شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنَّهُ حَفِظَهُ وَرَوَاهُ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ كُلِّهَا، وَقَدْ سَمِعَهُ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَبَلَّغَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَإِنَّ الْأَسَانِيدَ إِلَيْهِ جَيِّدَةٌ، وَهُوَ لَا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ مَحْفُوظٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ.
وَأَمَّا السَّلْوَى فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّلْوَى طَائِرٌ شَبِيهٌ بالسُّمَّانى، كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي خَبر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرّة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ (54) مِنَ الصَّحَابَةِ: السَّلْوَى: طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَّانَى.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ جَهْضَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: السَّلْوَى: هُوَ السمَّانى.
وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَمَّا السَّلْوَى فَطَيْرٌ (55) كَطَيْرٍ يَكُونُ بِالْجَنَّةِ (56) أَكْبَرُ مِنَ الْعُصْفُورِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: السَّلْوَى مِنْ طَيْرٍ إِلَى الْحُمْرَةِ، تحشُرها عَلَيْهِمُ الريحُ الجنَوبُ. وَكَانَ الرَّجُلُ يَذْبَحُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا تَعَدَّى فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ سَادِسِهِ لِيَوْمِ جُمُعَتِهِ (57) أَخَذَ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِ سَادِسِهِ وَيَوْمِ سَابِعِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ عِبَادَةٍ لَا يَشْخَصُ فِيهِ لِشَيْءٍ وَلَا يَطْلُبُهُ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: السَّلْوَى: طَيْرٌ سَمِينٌ مِثْلُ الْحَمَامِ، كَانَ يَأْتِيهِمْ فَيَأْخُذُونَ مِنْهُ مِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ وَهْبٍ، قَالَ: سألَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، اللَّحْمَ، فَقَالَ اللَّهُ: لَأُطْعِمَنَّهُمْ مِنْ أَقَلِّ لَحْمٍ يُعْلَمُ فِي الْأَرْضِ، فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا، فَأَذْرَتْ عِنْدَ مَسَاكِنِهِمُ السَّلْوَى، وَهُوَ السُّمَانَى (58) مِثْلَ مِيلٍ فِي مِيلٍ قيدَ رُمْحٍ إلى (59) السماء فخبَّؤوا للغد فنتن اللحم وخنز الخبز.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا دَخَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ التِّيهَ، قَالُوا لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَيْفَ لَنَا بِمَا هاهنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم الَمنّ فَكَانَ يَسْقُطُ عَلَى الشَّجَرِ (60) الزَّنْجَبِيلِ، وَالسَّلْوَى وَهُوَ طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى أَكْبَرُ مِنْهُ، فَكَانَ يَأْتِي أَحَدُهُمْ فَيَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ، فَإِنْ كَانَ سَمِينًا ذَبَحَهُ وَإِلَّا أَرْسَلَهُ، فَإِذَا سَمِنَ أَتَاهُ، فَقَالُوا: هَذَا الطَّعَامُ فَأَيْنَ الشَّرَابُ؟ فَأُمِر مُوسَى فَضَرَبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ، فَانْفَجَرَتْ (61) مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، فَشَرِبَ كُلُّ سِبْطٍ مِنْ عَيْنٍ، فَقَالُوا: هَذَا الشَّرَابُ، فَأَيْنَ الظِّلُّ؟ فَظَلَّل عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ. فَقَالُوا: هَذَا الظِّلُّ، فَأَيْنَ اللِّبَاسُ؟ فَكَانَتْ ثِيَابُهُمْ (62) تَطُولُ مَعَهُمْ كَمَا يَطُولُ الصِّبْيَانُ، وَلَا يَنْخرق لَهُمْ ثَوْبٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ:٦٠] .
وَرُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ نَحْوُ مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ.
وَقَالَ سُنَيْد، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خُلق لَهُمْ فِي التِّيهِ ثِيَابٌ لَا تَخْرِقُ (63) وَلَا تَدْرَنُ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَخَذَ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى فَوْقَ طَعَامِ يَوْمٍ فَسَدَ، إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ طَعَامَ يَوْمِ السَّبْتِ فَلَا يُصْبِحُ فَاسِدًا.
[قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: السَّلْوَى: طَيْرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَدْ غَلِطَ الْهُذَلِيُّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ الْعَسَلُ، وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ مُسْتَشْهِدًا:
وَقَاسَمَهَا بِاللَّهِ جَهْدًا لَأَنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا أَشُورُهَا ...
قَالَ: فَظَنَّ أَنَّ السَّلْوَى عَسَلًا (64) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: دَعْوَى الْإِجْمَاعِ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ المؤرخ أَحَدَ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ قَالَ: إِنَّهُ الْعَسَلُ، وَاسْتَدَلَّ بِبَيْتِ الْهُذَلِيِّ هَذَا، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي لُغَةِ كِنَانَةَ؛ لِأَنَّهُ يُسَلَّى بِهِ وَمِنْهُ عَيْنُ سُلْوَانَ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: السَّلْوَى الْعَسَلُ، وَاسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ الْهُذَلِيِّ -أَيْضًا-، وَالسُّلْوَانَةُ بِالضَّمِّ خَرَزَةٌ، كَانُوا يَقُولُونَ إِذَا صُبَّ عَلَيْهَا مَاءُ الْمَطَرِ فَشَرِبَهَا الْعَاشِقُ سَلَا قَالَ الشَّاعِرُ:
شَرِبْتُ عَلَى سُلْوَانَةٍ مَاءَ مُزْنَةٍ ... فَلَا وَجَدِيدِ الْعَيْشِ يَا مَيُّ مَا أَسْلُو ...
وَاسْمُ ذَلِكَ الْمَاءِ السُّلْوَانُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: السُّلْوَانُ دَوَاءٌ يَشْفِي الْحَزِينَ فَيَسْلُو وَالْأَطِبَّاءُ يسمونه (مُفَرِّح) ، قَالُوا: وَالسَّلْوَى جَمْعٌ بِلَفْظِ -الْوَاحِدِ-أَيْضًا، كَمَا يقال: سمانى للمفرد والجمع ودِفْلَى كَذَلِكَ، وَقَالَ الْخَلِيلُ وَاحِدُهُ سَلْوَاةٌ، وَأَنْشَدَ:
وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ ... كَمَا انْتَفَضَ السَّلْوَاةُ مِنْ بلل القطر ...
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: السَّلْوَى وَاحِدَةٌ وَجَمْعُهُ سَلَاوِي، نَقَلَهُ كُلَّهُ الْقُرْطُبِيُّ (65) ] (66) .
* * *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أَمْرُ إِبَاحَةٍ وَإِرْشَادٍ وَامْتِنَانٍ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ:٥٧] ، أَيْ أَمَرْنَاهُمْ بِالْأَكْلِ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ وَأَنْ يَعْبُدُوا، كَمَا قَالَ: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [سَبَأٍ:١٥] فَخَالَفُوا وَكَفَرُوا فَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، هَذَا مَعَ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْقَاطِعَاتِ، وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَمِنْ هَاهُنَا تَتَبَيَّنُ فَضِيلَةُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ (67) وَرَضِيَ عَنْهُمْ، عَلَى سَائِرِ أَصْحَابِ الْأَنْبِيَاءِ فِي صَبْرِهِمْ وَثَبَاتِهِمْ وَعَدَمِ تَعَنُّتِهِمْ، كَمَا كَانُوا مَعَهُ فِي أَسْفَارِهِ وَغَزَوَاتِهِ، مِنْهَا عَامُ تَبُوكَ، فِي ذَلِكَ الْقَيْظِ وَالْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْجَهْدِ، لَمْ يَسْأَلُوا خَرْقَ عَادَةٍ، وَلَا إِيجَادَ أَمْرٍ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَهْلًا عَلَى الرَّسُولِ ﷺ، وَلَكِنْ لَمَّا أَجْهَدَهُمُ الْجُوعُ سَأَلُوهُ فِي تَكْثِيرِ طَعَامِهِمْ فَجَمَعُوا مَا مَعَهُمْ، فَجَاءَ قَدْرَ مَبْرك الشاة، فدعا [الله] (68) فيه، وأمرهم فملؤوا كُلَّ وِعَاءٍ مَعَهُمْ، وَكَذَا لَمَّا احْتَاجُوا إِلَى الْمَاءِ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَأَمْطَرَتْهُمْ، فشربوا وسقوا الإبل وملؤوا أَسْقِيَتَهُمْ. ثُمَّ نَظَرُوا فَإِذَا هِيَ لَمْ تُجَاوِزِ الْعَسْكَرَ. فَهَذَا هُوَ الْأَكْمَلُ فِي الِاتِّبَاعِ: الْمَشْيُ مَعَ قَدَرِ اللَّهِ، مَعَ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ صَلَّى الله عليه وسلم.
التعديل الأخير بواسطة المشرف: