- إنضم
- 2/7/21
- المشاركات
- 13,870
- مستوى التفاعل
- 484
- النقاط
- 83
- الجنس
- ذكر
غير متصل
عشرون من مفسدات المحبة بين الناس
عشرون من مفسدات المحبة بين الناس
لا شكَّ أن المحبة الصادقة تُورِثُ الأُخوَّة الخالصة التي تُسعِد صاحبَها في الدنيا، فتجعل إخوانه زينةً له في الرخاء، وعصمةً في البلاء، حتى قالوا: "حلية المرء كثرةُ إخوانه"، وقال عمر رضي الله عنه: "لقاء الإخوان جلاءُ الأحزان".
بل إن المحبة الصادقة تشفع لأصحابها يوم القيامة، فيُبوِّئهم اللهُ مكانةَ الأنبياء والشُّهَداء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله لأُنَاسًا، مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ، وَلا شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ الله تَعَالَى))، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟ قَالَ: ((هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ الله، عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ، وَلا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَالله إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ، لا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ))، وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [يونس: 62]؛ سنن أبي داود.
غير أن هذه المحبَّة الحقيقية، قد تعترضها بعضُ المفسدات التي تُعكِّر صَفْوَها، وتُذهب نُورَها، فتُورِث الفُرْقة والتدابُر، وتذكي البغضاء والتنافُر؛ ولذلك وجب الاحتياط لها، والحَذَر من مغبَّتِها، وقد تأمَّلت هذه المفسدات، فألفيتها ترجع - في مجملها - إلى عشرين عنصرًا:
1- المعاصي التي تمنع استجابة الدعاء، وتُذهِب البهاء من الوجه، وتمحق البركة، وتَحرم الرزق، وتنسي العلم، وتُضيِّع الطاعات والقُرُبات، وتُفرِّق بين الأحبَّة، فتزرع الوحشة بينهم، فتتنافر القلوب، وتتغاير النفوس؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ))، وَيَقُولُ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا تَوَادَّ اثْنَانِ، فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا))؛ رواه أحمد وهو في صحيح الترغيب.
وجعل ابن القيم رحمه الله من آثار المعصية: "الوحشة التي تحصل له بينه وبين الناس، ولا سيَّما أهلَ الخير منهم، فإنه يجد وحشةً بينه وبينهم، وكلما قويت تلك الوَحْشة، بَعُد منهم، ومن مجالستهم، وحُرِم بركة الانتفاع بهم، وقَرُب من حزب الشيطان بقَدْر ما بَعُد من حزب الرحمن، وتقوى هذه الوَحْشة حتى تستحكم، فتقع بينه وبين امرأته، وولده، وأقاربه، وبينه وبين نفسه، فتراه مستوحشًا من نفسه، وقال بعض السلف: إني لأعصي الله، فأرى ذلك في خلق دابَّتي وامرأتي".
حتى الشريكان المجتمعان على التجارة أو الصناعة أو الخدمات أو غيرها، والبيعان اللذان يعقدان الصفقات التجارية بينهما، يحلُّ التآلِف بينهما، وتنزل البركة بساحتهما ما تركا المعاصي؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا، فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا، وَيُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا))؛ متفق عليه.
2- ترك الدعاء الخالص لأخيك بظَهْر الغيب، فالذي ظفر بأخٍ له في الله صادق، إذا سأله أعطاه، وإذا نَزَلَتْ به نازلةٌ واساه، وإذا رأى منه حسنة نشَرَها وعدَّها، وإذا رأى منه سيئةً كتَمَها وسدَّها، فليحكم هذه العلاقة بالدعاء الطيب له، فإنه خيرٌ للمدعوِّ له، وللداعي أيضًا؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ دَعَا لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ))؛ مسلم. فدعاؤك لأخيك، هو في الحقيقة دعاء لك.
قال ابن القيم رحمه الله: "فكما يُحِبُّ - أي: المسلم - أن يَستغفرَ له أخوه المسلمُ، كذلك هو - أيضًا - ينبغي أن يستغفرَ لأخيه المسلم".
بل سُنَّ لنا في التشهُّد من الصلاة، أن نقول ما يفيد الدعاء لجميع عباد الله الصالحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا، أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِله صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ))؛ متفق عليه.
3- مخالفة التأدُّب في مخاطبته، والتحدُّث إليه، والإقبال عليه بالوجه والكلام، كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقْبِلُ بوجهِه وحديثِه على أشرِّ القومِ، يتألَّفُهُمْ بذلك، فكان يُقْبِلُ بوجْهِه وحديثِه عليَّ، حتى ظننتُ أني خيرُ القومِ"؛ حسَّنَه في مختصر الشمائل.
وقد يُحدِّثك بكلام أنت تعرفه، فلا تعجل عليه بمعرفتك إيَّاه، فإن ذلك يُضجره، قال أحد السلف: "إن الرجل ليُحدِّثني بالحديث أعرفه قبل أن تَلِدَه أُمُّه، فيحملني حُسْن الأدب على الاستماع إليه حتى يفرغ".
مَن لي بِإِنسانٍ إِذا أَغْضَبْتُهُ
وجَهِلْتُ كانَ الحِلْمُ رَدَّ جَوابِهِ؟
وتَراهُ يُصْغِي لِلحَدِيثِ بِسَمْعِهِ
وبِقَلْبِهِ ولَعَلَّهُ أدْرَى بِهِ
4- ومن هذه العقابيل في طريق المحبَّة الخالصة، ألَّا تقول عند أخيك إلا خيرًا، ولا يسمع منك إلا الكلمة الطيبة المصحوبة بالابتسامة الرقيقة؛ قال تعالى: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [الإسراء: 53]، لا تُضْجِره بكلام بذيء، ولا تُحْزِنه بخبرٍ سيِّئ، ولا تُشغله بقصَصٍ لا تعنيه، فالكلمة الطيبة صَدَقة، تنفع المخاطَب، وتُدخِل السُّرُور عليه.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "نِعمت الهديةُ الكلمةُ من الحكمة، يحفظها الرجل حتى يُلقيها إلى أخيه".
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "لولا ثلاث، ما أحببت البقاء: ساعة ظمأ الهواجر، والسجود في الليل، ومجالسة أقوام يَنتقون جيِّدَ الكلام، كما يُنتقى أطايب الثَّمَر".
وجعل ابن القيم رحمه الله: من الأسباب الجالبة للمحبَّة والموجبة لها، ما سمَّاه: "مجالسةَ المحبِّين الصادقين، والتقاطَ أطايب ثمرات كلامهم كما يُنتقى أطايب الثمر".
وسُئل الأوزاعي رحمه الله: ما إكرام الضيف؟ قال: "طلاقة الوجه، وطيب الكلام".
وإني لطلق الوجه للمبتغي القِرى
وإن فنائي للقِرى لرحيب
أضاحك ضيفي عند إنزال رحله
فيخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القِرى
ولكنما وجه الكريم خصيب
5- المراء والجدال، والاعتداد بالرأي، وهي صفات تقتل الأخوَّة، وإن طالت، وتمحق المحبَّة وإن استحكمت، وتُبهت العشرة وإن عمرت في الزمن ما عمرت، فكثرة المجادلة والمماحكة، طريق للعناد والمكابرة، وافتعال المعارك الكلامية، والسجالات العقيمة، وذلك سلاح الشيطان ليفرق بين الأحبَّة، ويشعل بينهم فتيل العداوة، وفي الحديث الشريف؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ))، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ [الزخرف: 58]؛ رواه الترمذي.
فالجدل العقيم يُورث البغضاء والامتعاض، ويزرع الشحناء والاعتراض؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى الله، الأَلَدُّ الْخَصِمُ))؛ متفق عليه.
والمسامحة في الكلام تُثير جميل الاهتمام، واللينُ في الحوار يُبقي على التقدير والوقار، وحُسْنُ التأتِّي في الإقناع يجلب حُسْن الاستماع؛ بل ترك الجِدال وأنت على الحق سبيلٌ لحفْظِ محبَّة الإخوان من المحق؛ قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ((أنا زعيمٌ ببَيْتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَن ترَك المِراءَ وإنْ كان مُحِقًّا، وببَيْتٍ في وسَطِ الجَنَّةِ لِمَن ترَك الكَذِبَ وإن كان مازحًا، وببَيْتٍ في أعلى الجَنَّةِ لِمَن حسَّنَ خُلُقَهُ))؛ صحيح الترغيب.
ولما سئل الإمام مالك رحمه الله: يا أبا عبد الله، الرجل يكون عالِمًا بالسنة، أيجادل عنها؟ قال: "لا؛ ولكنه يُخْبِر بالسنة، فإن قبلت، وإلَّا سكت"، وعلَّل الإمام مالك ذلك، فقال: "المراء يُقَسِّي القلوب، ويُورث الضغائن".
وروي عن معاذ بن جبلرضي الله عنه أنه قال: "إذا أحبَبْتَ أخًا، فلا تماره، ولا تشاره، ولا تُمازحه".
وقال الحسن البصري رحمه الله: "المؤمن يُداري، ولا يُماري، ينشر حكمة الله، فإن قبلت حمد الله، وإن رُدَّتْ حمد الله".
بل إن أبواب الجنة التي تفتح يومي الاثنين والخميس، وتُوصَد في وجه المتجادلين المتخاصمين المتشاحنين حتى يصطلحوا، وتتصافى قلوبُهم؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا))؛ مسلم.
إِنِّي لَتُطْرِبُني الخِلالُ كَريمَةً
طَرَبَ الغَريبِ بِأَوبَةٍ وَتَلاقي
وَيَهُزُّني ذِكْرُ المحامد وَالنَّدى
بَينَ الشَمائِلِ هِزَّةَ المُشتاقِ
لا شكَّ أن المحبة الصادقة تُورِثُ الأُخوَّة الخالصة التي تُسعِد صاحبَها في الدنيا، فتجعل إخوانه زينةً له في الرخاء، وعصمةً في البلاء، حتى قالوا: "حلية المرء كثرةُ إخوانه"، وقال عمر رضي الله عنه: "لقاء الإخوان جلاءُ الأحزان".
بل إن المحبة الصادقة تشفع لأصحابها يوم القيامة، فيُبوِّئهم اللهُ مكانةَ الأنبياء والشُّهَداء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله لأُنَاسًا، مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ، وَلا شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ الله تَعَالَى))، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟ قَالَ: ((هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ الله، عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ، وَلا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَالله إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ، لا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ))، وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [يونس: 62]؛ سنن أبي داود.
غير أن هذه المحبَّة الحقيقية، قد تعترضها بعضُ المفسدات التي تُعكِّر صَفْوَها، وتُذهب نُورَها، فتُورِث الفُرْقة والتدابُر، وتذكي البغضاء والتنافُر؛ ولذلك وجب الاحتياط لها، والحَذَر من مغبَّتِها، وقد تأمَّلت هذه المفسدات، فألفيتها ترجع - في مجملها - إلى عشرين عنصرًا:
1- المعاصي التي تمنع استجابة الدعاء، وتُذهِب البهاء من الوجه، وتمحق البركة، وتَحرم الرزق، وتنسي العلم، وتُضيِّع الطاعات والقُرُبات، وتُفرِّق بين الأحبَّة، فتزرع الوحشة بينهم، فتتنافر القلوب، وتتغاير النفوس؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ))، وَيَقُولُ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا تَوَادَّ اثْنَانِ، فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا))؛ رواه أحمد وهو في صحيح الترغيب.
وجعل ابن القيم رحمه الله من آثار المعصية: "الوحشة التي تحصل له بينه وبين الناس، ولا سيَّما أهلَ الخير منهم، فإنه يجد وحشةً بينه وبينهم، وكلما قويت تلك الوَحْشة، بَعُد منهم، ومن مجالستهم، وحُرِم بركة الانتفاع بهم، وقَرُب من حزب الشيطان بقَدْر ما بَعُد من حزب الرحمن، وتقوى هذه الوَحْشة حتى تستحكم، فتقع بينه وبين امرأته، وولده، وأقاربه، وبينه وبين نفسه، فتراه مستوحشًا من نفسه، وقال بعض السلف: إني لأعصي الله، فأرى ذلك في خلق دابَّتي وامرأتي".
حتى الشريكان المجتمعان على التجارة أو الصناعة أو الخدمات أو غيرها، والبيعان اللذان يعقدان الصفقات التجارية بينهما، يحلُّ التآلِف بينهما، وتنزل البركة بساحتهما ما تركا المعاصي؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا، فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا، وَيُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا))؛ متفق عليه.
2- ترك الدعاء الخالص لأخيك بظَهْر الغيب، فالذي ظفر بأخٍ له في الله صادق، إذا سأله أعطاه، وإذا نَزَلَتْ به نازلةٌ واساه، وإذا رأى منه حسنة نشَرَها وعدَّها، وإذا رأى منه سيئةً كتَمَها وسدَّها، فليحكم هذه العلاقة بالدعاء الطيب له، فإنه خيرٌ للمدعوِّ له، وللداعي أيضًا؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ دَعَا لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ))؛ مسلم. فدعاؤك لأخيك، هو في الحقيقة دعاء لك.
قال ابن القيم رحمه الله: "فكما يُحِبُّ - أي: المسلم - أن يَستغفرَ له أخوه المسلمُ، كذلك هو - أيضًا - ينبغي أن يستغفرَ لأخيه المسلم".
بل سُنَّ لنا في التشهُّد من الصلاة، أن نقول ما يفيد الدعاء لجميع عباد الله الصالحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا، أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِله صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ))؛ متفق عليه.
3- مخالفة التأدُّب في مخاطبته، والتحدُّث إليه، والإقبال عليه بالوجه والكلام، كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقْبِلُ بوجهِه وحديثِه على أشرِّ القومِ، يتألَّفُهُمْ بذلك، فكان يُقْبِلُ بوجْهِه وحديثِه عليَّ، حتى ظننتُ أني خيرُ القومِ"؛ حسَّنَه في مختصر الشمائل.
وقد يُحدِّثك بكلام أنت تعرفه، فلا تعجل عليه بمعرفتك إيَّاه، فإن ذلك يُضجره، قال أحد السلف: "إن الرجل ليُحدِّثني بالحديث أعرفه قبل أن تَلِدَه أُمُّه، فيحملني حُسْن الأدب على الاستماع إليه حتى يفرغ".
مَن لي بِإِنسانٍ إِذا أَغْضَبْتُهُ
وجَهِلْتُ كانَ الحِلْمُ رَدَّ جَوابِهِ؟
وتَراهُ يُصْغِي لِلحَدِيثِ بِسَمْعِهِ
وبِقَلْبِهِ ولَعَلَّهُ أدْرَى بِهِ
4- ومن هذه العقابيل في طريق المحبَّة الخالصة، ألَّا تقول عند أخيك إلا خيرًا، ولا يسمع منك إلا الكلمة الطيبة المصحوبة بالابتسامة الرقيقة؛ قال تعالى: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [الإسراء: 53]، لا تُضْجِره بكلام بذيء، ولا تُحْزِنه بخبرٍ سيِّئ، ولا تُشغله بقصَصٍ لا تعنيه، فالكلمة الطيبة صَدَقة، تنفع المخاطَب، وتُدخِل السُّرُور عليه.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "نِعمت الهديةُ الكلمةُ من الحكمة، يحفظها الرجل حتى يُلقيها إلى أخيه".
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "لولا ثلاث، ما أحببت البقاء: ساعة ظمأ الهواجر، والسجود في الليل، ومجالسة أقوام يَنتقون جيِّدَ الكلام، كما يُنتقى أطايب الثَّمَر".
وجعل ابن القيم رحمه الله: من الأسباب الجالبة للمحبَّة والموجبة لها، ما سمَّاه: "مجالسةَ المحبِّين الصادقين، والتقاطَ أطايب ثمرات كلامهم كما يُنتقى أطايب الثمر".
وسُئل الأوزاعي رحمه الله: ما إكرام الضيف؟ قال: "طلاقة الوجه، وطيب الكلام".
وإني لطلق الوجه للمبتغي القِرى
وإن فنائي للقِرى لرحيب
أضاحك ضيفي عند إنزال رحله
فيخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القِرى
ولكنما وجه الكريم خصيب
5- المراء والجدال، والاعتداد بالرأي، وهي صفات تقتل الأخوَّة، وإن طالت، وتمحق المحبَّة وإن استحكمت، وتُبهت العشرة وإن عمرت في الزمن ما عمرت، فكثرة المجادلة والمماحكة، طريق للعناد والمكابرة، وافتعال المعارك الكلامية، والسجالات العقيمة، وذلك سلاح الشيطان ليفرق بين الأحبَّة، ويشعل بينهم فتيل العداوة، وفي الحديث الشريف؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ))، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ [الزخرف: 58]؛ رواه الترمذي.
فالجدل العقيم يُورث البغضاء والامتعاض، ويزرع الشحناء والاعتراض؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى الله، الأَلَدُّ الْخَصِمُ))؛ متفق عليه.
والمسامحة في الكلام تُثير جميل الاهتمام، واللينُ في الحوار يُبقي على التقدير والوقار، وحُسْنُ التأتِّي في الإقناع يجلب حُسْن الاستماع؛ بل ترك الجِدال وأنت على الحق سبيلٌ لحفْظِ محبَّة الإخوان من المحق؛ قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ((أنا زعيمٌ ببَيْتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَن ترَك المِراءَ وإنْ كان مُحِقًّا، وببَيْتٍ في وسَطِ الجَنَّةِ لِمَن ترَك الكَذِبَ وإن كان مازحًا، وببَيْتٍ في أعلى الجَنَّةِ لِمَن حسَّنَ خُلُقَهُ))؛ صحيح الترغيب.
ولما سئل الإمام مالك رحمه الله: يا أبا عبد الله، الرجل يكون عالِمًا بالسنة، أيجادل عنها؟ قال: "لا؛ ولكنه يُخْبِر بالسنة، فإن قبلت، وإلَّا سكت"، وعلَّل الإمام مالك ذلك، فقال: "المراء يُقَسِّي القلوب، ويُورث الضغائن".
وروي عن معاذ بن جبلرضي الله عنه أنه قال: "إذا أحبَبْتَ أخًا، فلا تماره، ولا تشاره، ولا تُمازحه".
وقال الحسن البصري رحمه الله: "المؤمن يُداري، ولا يُماري، ينشر حكمة الله، فإن قبلت حمد الله، وإن رُدَّتْ حمد الله".
بل إن أبواب الجنة التي تفتح يومي الاثنين والخميس، وتُوصَد في وجه المتجادلين المتخاصمين المتشاحنين حتى يصطلحوا، وتتصافى قلوبُهم؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا))؛ مسلم.
إِنِّي لَتُطْرِبُني الخِلالُ كَريمَةً
طَرَبَ الغَريبِ بِأَوبَةٍ وَتَلاقي
وَيَهُزُّني ذِكْرُ المحامد وَالنَّدى
بَينَ الشَمائِلِ هِزَّةَ المُشتاقِ